لم يكن الابتلاء في حياة المعصومين حادثًا عابرًا ولا قدرًا سلبيًا يُحتمل على مضض، بل كان مسارًا واعيًا تتجلّى فيه الحكمة الإلهية بأعمق صورها. فالمعصوم، وهو الأكمل معرفةً بالله، لا يُبتلى ليُختبر إيمانه، بل ليُقدَّم نموذجًا إنسانيًا راقيًا لكيفية تحويل الألم إلى وعي، والظلم إلى رسالة، والقيود إلى معنى.
ولو تمعنّا قليلًا في سيرة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، لتبيّن لنا مقدار ما تحمّله من أذى المشركين، بل ومن أقرب الناس إليه من عشيرته. ثم كانت هجرته من مكّة إلى المدينة، وما سبقها من حصارٍ قاسٍ في شِعب أبي طالب دام ثلاث سنوات، عانى خلالها الرسول (صلّى الله عليه وآله) وبنو هاشم، مسلمهم وكافرهم، جوعًا شديدًا وضيقًا بالغًا.
ومع أنّ الله تعالى قادرٌ على أن يُنزل بالمشركين البلاء كما أنزله بالأمم السابقة التي عصت وخالفت الرسل، إلّا أنّ سنّته جرت بحكمةٍ أعمق، أراد بها إتمام الحجة، وتهذيب النفوس، وبناء الرسالة على الصبر لا على الانتقام. ومن هذا المبدأ انطلقت مسيرة حياة الأئمّة المعصومين، إذ تحمّلوا أثقال الأذى، وصبروا على شتّى الابتلاءات. فنجد أنّ لكلّ إمامٍ في مرحلته الخاصة محنةً واجهها، وخصومًا ناصبوه العداء، وكانت تلك الابتلاءات جزءًا من مسيرتهم الرسالية، لا عارضًا طارئًا في حياتهم.
وفي سيرة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) تتكثّف فلسفة الابتلاء بوصفها مشروعًا تربويًا وأخلاقيًا، لا مجرد سيرة معاناة؛ إذ تحوّل السجن الطويل، والتضييق السياسي، والعزلة القسرية إلى فضاءٍ لصناعة الإنسان الصابر الواعي، ولإعادة تعريف مفهوم النعمة في ظل المحنة، فتحول فكان الابتلاء طريقًا للارتقاء لا للانكسار و تحوّل من حدثٍ خارجي إلى وعيٍ داخلي.
فالابتلاء في ذاته محايد؛ الذي يمنحه اتجاهه هو موقع الإنسان منه. فحينما يفهم بوعي عن الابتلاء لايُلعن، هذا فيما كان المؤمن واعياً بتدبر قصص التي ذكرت في القرآن الكريم، التي تدل على أن الابتلاء اختبار للثبات والإيمان:
«ولنبلوكم بشيءٍ من الخوفِ والجوعِ ونقصٍ من الأموالِ والأنفسِ والثمراتِ وبشرِ الصابرينَ»(البقرة 155) والعبر والقصص والعبر كثيرة، من قصص الأنبياء:
قصة أيوب عليه السلام: ابتُلي بفقد الصحة والأهل والمال، لكنه لم ينكسر، بل صبر وشكر، فكان مثالاً للارتقاء بالروحانية.
قصة يوسف عليه السلام: ابتُلي بالخيانة والسجن، لكنه ظل ثابتًا ومخلصًا، حتى أصبح سبب رفعة ونجاة كثيرين.
قصة موسى وفرعون: الابتلاء بالمحنة والتهديد قاد موسى وقومه إلى رفع مستوى الإيمان والصبر، وحققوا النصر بالحق.
هنا نثبت بالدليل القرآني أن العبرة في الابتلاء ليس عقابًا، بل فرصة لتطهير النفس، وتقوية الصبر، وإدراك قيمة الإيمان والعمل الصالح. كما أن الابتلاء يختلف عن الامتحان والعقوبة؛ فهو سنة إلهية ثابتة لا استثناء فيها، يمر بها الإنسان ليختبر صبره وإيمانه وليكتسب معنىً أعمق للحياة، وليس دائمًا كعقاب على الذنوب. في المقابل، الامتحان يختبر المعرفة أو الطاعة بشكل محدد، بينما العقوبة تعني جزاءً نتيجة خطأ أو ذنب. حتى المعصومين، الأكمل إيمانًا، لا يُعفَوْن عن الابتلاء. فابتلاؤهم لا يأتي لتصفية ذنوبهم، بل ليكون وظيفة رسالية.
إنه اختبار للصبر، وتجسيد حي للقدرة على تحويل الألم إلى معنى، وإظهار صمود الإيمان أمام أصعب الظروف. فالابتلاء ليس مجرد خضوع سلبي، بل يمكن أن يتحوّل إلى نعمة حين يُمارَس الصبر كفعل واعٍ، يعي الإنسان فيه معناه ويستثمره روحيًا وسياسيًا. اما حكمة ابتلاء موسى بن جعفر (عليه السلام) لم يكن علامة حرمان، بل توقيع اصطفاء. فالمعصوم وحده من يُؤتمن على الألم، ويعرف كيف يحوله إلى معنى ورسالة. رغم سجنه المتكرر وظروفه الصعبة، ظل موسى بن جعفر صابرًا وواعياً، لم ينهار أمام القيد أو الظلم، بل استمر في الانتظار والتأمل، مركزًا على ما يُراد أن يُرى في ابتلائه، لا على السؤال التقليدي: لماذا ابتُلينا؟.
بهذه الطريقة، يصبح الابتلاء وسيلة للتعليم والرسالة والتربية الجماعية، أكثر من كونه عقوبة شخصية، ويُظهر قدرة المعصوم على رفع معنى الألم إلى مستوى وعي وإنجاز روحي، لأن رسالته في الحياة بنيت على أهداف قيادة الأمة والنهوض بها إلى واقع أفضل وأصلح ويكون القدوة لمن يتولى صالح أمور المسلمين. قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتي، وأنّهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض» .








اضافةتعليق
التعليقات