ماذا يريد منّا رسول الله صلى الله عليه وآله عندما يقول، مشيراً إلى الحسن (عليه السلام):
«من أحبّني فليُحِبَّه»؟
هل يريد منّا أن نستحدث شعوراً عاطفياً نحو الحسن، أم يريد أن نلتزم بقضاياه وفكره وعقيدته، وندافع عنها؟ وهل نفهم لغة الحب المستخدمة في النصوص الشرعية على أساس الحب الحقيقي، أم على أساس الحب المجازي؟
يتّضح لنا أن الحب إمّا أن يستند إلى الشعور والعاطفة، أو إلى الرغبة الغريزية، أو إلى القيم السامية الرفيعة. والحب القائم على القيم الرفيعة هو الحب الحقيقي؛ لأن القيم حقيقة ثابتة تبقى ولا تزول. ومن المعروف أن الحب الغريزي أو العاطفي قد يزول بالشيخوخة أو المرض أو الموت، أمّا الحب الديني القائم على القيم العليا – كحب أهل العصمة والطهارة – فهو ثابت، لكنه يمرّ بمرتبتين:
المرتبة الأولى: المرتبة الذهنية
وهي إنشاء رابطة ذهنية بين المحب والمحبوب، أي تكوين تصوّر إيجابي جميل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته، من خلال استلهام سيرتهم وحكمتهم في الحياة، وأسلوب اتصالهم بالله تعالى، وهدايتهم للبشرية إلى منابع الخير والسعادة.
المرتبة الثانية: المرتبة العملية
وهي الحب العملي للنبي وآل البيت، وذلك بترجمة الحب إلى سلوك. فيحاول المحب أن يطبّق ما قام به المحبوب من طاعة الله تعالى، ويبتعد عن معصيته، ويقيم الفرائض، ويصل المحروم، ويشيع الأخلاق الكريمة بين الناس. كما يتألّم لأحزانهم ويفرح لأفراحهم، ويزورهم، ويزور المعالم التي تجسّد حياتهم. وهكذا يزور المحب ضريح النبي في المدينة المنوّرة، وأضرحة أهل البيت ومقاماتهم في البلدان المختلفة. فالحب يدفع الإنسان إلى زيارة المحبوب، حيّاً كان أو ميتاً، وإلى استحضار سيرته الطاهرة والعيش في أجوائها العبقة.
أسلوب المحبة
ربط النبي صلى الله عليه وآله محبّة المؤمنين له بحبّ الحسن (عليه السلام) وبقية أهل البيت، فقال:
«من كان يحبّني فليحبّ ابنيّ هذين: الحسن والحسين»،
وقال أيضاً: «من أحبّ الحسن والحسين أحببته، ومن أحبّ الحسن والحسين فقد أحبّني».
العلاقة بين المحب والمحبوب علاقة لقاء، وكلّما كثر اللقاء ازداد الحب. ولذلك نرى التأكيد على زيارة أئمة أهل البيت بتلك الصورة الحميمية، وقد وُضعت للزيارة آداب، منها: الطهارة، ولبس الثياب النظيفة، والتطيّب، وشغل اللسان بذكر الله تعالى، والاجتهاد في الخشوع لله، والتفكّر بعظمة صاحب المرقد المنوّر بنور الله وملائكته، والصلاة، وتلاوة القرآن الكريم، والتوبة إلى الله تعالى، وقراءة الزيارة التي تمثّل صورة مختصرة لسيرة المعصوم وفضله.
ويتبيّن لنا أن حب الإمام الحسن (عليه السلام) علاقة فكرية وروحية؛ فحب الحسن متلازم مع حب صفاته الكمالية، وإلّا فأيّ معنى للحب دون فهم صفات المحبوب؟ فكلّما ازددنا فهماً لطبيعة حياته وكمال صفاته، ازددنا له حبّاً. وخطاب النبي موجَّه إلى المخاطبين والغائبين معاً، بل إلى الأجيال جميعاً، كما في قوله تعالى:
﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾،
والمراد بـ«ومن بلغ» من لم يشافهه النبي صلى الله عليه وآله بالإنذار في زمن حياته؛ فالدعوة قائمة إلى يوم القيامة.
وبذلك يكون حب الحسن مشتملاً على:
1 ـ المعاني
حيث ترتبط المعاني بالمبادئ؛ فحب الحسن يعني حب المبادئ التي سار عليها في حياته الدينية، فحياته المعرفية جزء لا يتجزأ من نظام المعرفة في الإسلام.
2 ـ العاطفة
حيث ترتبط عاطفة المحب بالمشاعر الإنسانية تجاه المحبوب، كالفرح لأفراح المعصوم والتألم لأتراحه، فحب الحسن يقتضي التفاعل العاطفي مع أفراحه وأحزانه.
3 ـ الهوية
إن الحب يبني قاعدة الهوية العقدية والانتماء للرسالة؛ فالضمير العائد للإمام في قوله: «من أحبه»، وياء النسبة العائدة للنبي في قوله: «فقد أحبني»، تحدّد هوية المحب وتشخّص نظرته المعرفية للإسلام.
إذن، ما معنى حب الحسن؟ وما الطريق إلى ذلك؟
حب الحسن يعني حب القيم التي تمسّك بها، وإرادة ترجمة ذلك الحب إلى سلوكٍ موازٍ لسلوك المحبوب. ولو سألتِ مفكّراً درس حياة الحسن عن سبب حبّه لذلك الإمام، لأجابك بأدلّة عقلية، منها:
أولاً: إن الحسن إمام معصوم، لا يرتكب المعاصي ولا الأخطاء، ولا يجهل أحكام الدين ولا أصوله، فهو في كمال المعرفة والسلوك الإنساني.
ثانياً: إن جماله مستمدّ من جمال رسول الله صلى الله عليه وآله في الفضائل والانقطاع إلى الله تعالى؛ فقد ورث عن رسول الله سؤدده وهيبته وعلمه وفضله.
وطالما كانت تلك الصفات مختصّة به، فإن الحب الحقيقي يتوجّه إليه وإلى من أُمرنا بحبهم. ولو فُرض أن شخصاً آخر في ذلك الزمان امتلك جميع صفاته، لانتقل الحب إليه، ولكن لم يكن لأحدٍ صفات كصفاته، ولا خصال كخصاله. فقد كان المعصوم، في زمن إمامته، أفضل أهل زمانه مطلقاً في العلم، والتقوى، والورع، والفصاحة، والشجاعة، والزهد. وهذا الحب حبٌّ عقلي وعاطفي مبنيّ على أساس الدليل.








اضافةتعليق
التعليقات