ليس كل تعب يظهر على الجسد، فبعض الأرواح تسير بين الناس منهكة، صامتة، وتحتاج إلى إعادة تأهيل كاملة. نحن نعتني بأجسادنا حين تمرض، ونراجع الأطباء حين يضعف البصر أو يتعب القلب، لكننا كثيرًا ما نهمل النفس، رغم أنها أكثر ما يتعرض للاستنزاف! فيا تُرى؛ هل نحن نعيش بشخصياتنا الحقيقية، أم بنسخ متعبة تراكمت عليها الصدمات والعادات والخذلان؟
قال تعالى في محكم كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18].
إن الضغوط والخيبات، والمقارنات والكلمات القاسية، والسلوكيات السلبية، كلها تترك داخل الإنسان تشققات لا تُرى، حتى يصبح كل يوم وهو يعيش بنصف طاقة، ونصف شغف، ونصف حياة، حيث يعتاد الحزن، ويتصالح مع الإرهاق، ويعيش لإرضاء الآخرين، فيفقد شغفه، ثم ينسى نفسه الحقيقية!
وهنا تبدأ رحلة الانحدار نحو وادٍ متعرج الطريق، ومتشعب المخارج، يصعب على السالك فيه أن يجد درب العودة إن أراد ذلك.
كيف يبدأ التأهيل النفسي؟
لكل إنسان استهلكته الحياة بصمت: ليس العيب أن نتعب، العيب أن نستمر بالنزيف الداخلي وكأن شيئًا لم يحدث! أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى بداية جديدة، بل يحتاج فقط أن يعود إلى نفسه، بطريقة صحيحة، وبخطوات واضحة ويسيرة، تبدأ بالعزلة المؤقتة عن الضوضاء، ثم:
* الاعتراف بالتعب بدل إنكاره.
* القراءة والتعلم.
* التقرب إلى الله بكل الجوارح.
* تغيير البيئة والعادات.
* الحديث مع أشخاص داعمين.
* التوقف عن جلد الذات.
الأخيرة يجب التركيز عليها ومعالجة المشكلة من الجذور، فقد تأخذنا سطوة الحياة عن أنفسنا؛ بما تحتويه من مُلهيات في عصر السرعة هذا، والانجرار خلف القطيع، ومع ضيق الوقت، نغفل عنها مجبرين، وأحيانًا بإرادتنا العمياء. بيد أن من الضروريات أن ينتبه كل إنسان إلى نفسه، يبحث عنها آخر ساعات الليل أو النهار، يتفقدها ويرى إلى أي حال آلت إليه الآن، وعلى أي شاكلة ستكون غدًا؟
عن سيد البلغاء أمير المؤمنين عليّ عليه السلام قال: "من تساوى يوماه مغبون". إن معنى إعادة تأهيل النفس ليس ضعفًا، بل عملية استعادة للتوازن الداخلي، وتصحيح الأفكار السلبية، والتخلص من العادات المؤذية، لكي نستطيع التعافي من الاستنزاف النفسي، وتعلم حب الذات بطريقة صحية تعيد بناء الثقة والهدوء داخل أنفسنا.
وأخيرًا، يجب علينا أن نُدرك ونعي أن النفس كما تُحاسَب، تُحاسِب!








اضافةتعليق
التعليقات