لسنا مرضى لكننا نعاني؛ ولا نشتكي لكننا نتدهور.. والسبب نقص حادّ وخطير بلا تشخيص ينتظر من يكتشفه قبل فوات الأوان.. إن القراءة غذاء الروح والقلب والعقل، وهي من أعظم “الفيتامينات” التي يحتاجها الإنسان، سواء أدرك ضرورتها أم غفل عنها. ومع ذلك، نجد اليوم أن ثلاثة أرباع العالم يفتقرون إليها، أو يتناولون منها ما هو فاسد أو قليل الفائدة، بعلمٍ أو دون علم.
ورغم ما بلغناه من تطوّر، إلا أن مستوى الإدراك والاستيعاب لدى كثيرين يشهد تراجعًا ملحوظًا، نتيجة قلة المعرفة وغياب الرؤية السليمة لدى المتلقي، الذي لم يُشعل بعد فتيل نور العلم في دربه. فهذا النور لا يتوهّج، ولا يثمر فائدة حقيقية، إلا عبر قراءة واعية ومنتقاة.
إن العالم اليوم يعاني من “نقص فيتامين القراءة” حيث نرى الكثيرين يضغطون على زر “موافق” بلا تردّد، دون مراجعة أو حتى نظرة عابرة. وهكذا، ينتهي الحال بالبعض متكئين على عكّازة فكرية، بدل أن يسيروا بثباتٍ على أرضٍ من الفهم والمعرفة..
وفي خضمّ هذا الصمت المريب، لا يبدو أن أحدًا يسارع لوضع تشخيصٍ حقيقي لما نعانيه. فالمجاعة الفكرية لا تُرى بالعين، ولا تُقاس بالأجهزة، لكنها تتغلغل في العقول حتى تُفرغها من قدرتها على الفهم والتمييز. وحين يصبح الجهل مريحًا، وتغدو السطحية خيارًا سهلًا، ندرك أن الخطر لم يعد قادمًا… بل أصبح قابعًا فينا!
وعندما بات فيتامين القراءة جرعة منسية وأصبحت المعرفة تختزل في مقاطع قصيرة وعناوين سريعة، لم يعد هجر القراءة فعلًا صادمًا كما كان، بل صار عادة صامتة تتسلّل إلى حياتنا دون مقاومة. لكن، هل فكّرنا يومًا بما نخسره حين نبتعد عن الكتاب؟
حين نصمت أمام الصفحات، يبدأ العقل بالتراجع دون أن يعلن ذلك صراحة، وتبهت القدرة على التفكير العميق شيئًا فشيئًا. فهجر القراءة ليس مجرد إهمالٍ لهواية، بل هو انسحاب تدريجي من عالم الفهم، ورضا غير معلن عن السطحية في الحياة !..
فما هي أضرار عدم القراءة؟
قلة القراءة قد تؤدي إلى: ضعف في الثقافة العامة وصعوبة فهم الكثير من المواضيع.
محدودية في التفكير والتحليل، والاعتماد على آراء الآخرين بسهولة.
ضعف في اللغة والمفردات، مما يؤثر على التواصل.
قلة التركيز، لأن القراءة تدرّب العقل على الصبر والانتباه.
سهولة التأثر بالمعلومات الخاطئة أو الشائعات.
تراجع الإبداع والخيال!
إن كارثة هجر القراءة تزجنا في معركة العقول الخاسرة ،عقول بلا غذاء تفقد السيطرة بسرعة، فقد أوصى الله تعالى نبينا الكريم محمد (ص) بالقراءة، في محكم كتابه من سورة العلق :"ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ (2) ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ (3) ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ (4) عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ (5)" .
فكانت القراءة هي أول أمر إلهي، مما يرفع من مكانتها كبوابة لطلب العلم، وتنمية المهارات العقلية والفكرية، وهي بمثابة غذاء للعقل ومحفز الدماغ لتطوير قدراته. وكما تعمل على تخريج الأمة من ظلمات الجهل، إلى نور العلم. فالعالم الذي يقرأ أقل، يفهم أقل، فلا تغرنا سهولة الحصول على المعلومة التي قد تكون بالأساس مغلوطة او مُدوّنة من قبل أشخاص مجهولين أو مدفوعين!
إذن لماذا علينا أن نقرأ؟
لأن القراءة: توسّع المعرفة وتفتح لنا آفاق جديدة عن العالم.
تقوّي التفكير والتحليل، وتجعلنا نفهم الأمور بعمق بدل السطحية.
تحسّن اللغة والتعبير، سواء بالكلام أو الكتابة.
تنمّي الخيال والإبداع، خاصة عند قراءة القصص والروايات.
تساعد على تقليل التوتر وتمنح نوعًا من الراحة النفسية.
تعطينا خبرات الآخرين بدون أن نمرّ بنفس التجارب..
تجعلنا نشغل عقولنا ونقويها بالبحث عن مصادر موثوقة توصلنا إلى بر الأمان..
إن العودة إلى القراءة لم تعد ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة وجودية لإنقاذ ما تبقّى من وعينا. فإما أن نمد عقولنا بالغذاء الذي يُحييها، أو نتركها تذبل بصمت، حتى نعتاد هذا النقص .. وننسى أننا كنّا يومًا قادرين على التفكير!.








اضافةتعليق
التعليقات