مع إطلالة شهر محرم الحرام، يهبّ علينا موسمٌ عظيم من مواسم الرحمة الإلهية، يحمل في طياته نفحاتٍ إيمانية وفرصًا ثمينةً للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى. إنه شهرٌ يذكّرنا بالتضحية والصبر والثبات على الحق، ويدعونا إلى مراجعة أنفسنا وإصلاح قلوبنا والاستعداد ليومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.
في زحمة الحياة ومشاغلها الكثيرة، قد يصعب على البعض تخصيص ساعات طويلة للعبادة، لكن الخير لا يُقاس بكثرة الوقت بقدر ما يُقاس بالإخلاص والاستمرار. لذلك، لنخصص في هذا الشهر المبارك ساعةً واحدةً فقط من كل يوم، نجعلها خالصةً لله تعالى. ساعة نقرأ فيها القرآن الكريم، أو نستمع إلى مجلسٍ حسيني، أو نذكر الله ونستغفره، أو نصلي على محمد وآل محمد، أو ندعو لأنفسنا ولأهلنا ولجميع المؤمنين.
ومن أهم الأعمال التي ينبغي ألا نغفل عنها في محرم، الدعاء للأموات. فكم من روحٍ غادرت هذه الدنيا وهي اليوم تنتظر دعوةً صادقة من قلبٍ محب، أو صدقةً جارية، أو قراءة سورة الفاتحة وإهداء ثوابها لها. أمواتنا أحوج ما يكونون إلى دعائنا، وقد انقطعت أعمالهم وبقي أملهم برحمة الله ثم بدعوات أحبائهم. فلنجعل لهم نصيبًا يوميًا من دعائنا، ولنتذكر آباءنا وأمهاتنا وأقاربنا وأصدقاءنا وكل المؤمنين والمؤمنات الذين سبقونا إلى الدار الآخرة.
إن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، ومهما زُيّنت فهي فانية. الأيام تمضي بسرعة، والأعمار تنقضي، وكل إنسان سيصل يومًا إلى اللحظة التي يترك فيها كل شيء خلفه. لا يبقى القصر، ولا المال، ولا المنصب، ولا الشهرة، وإنما تبقى الأعمال الصالحة التي قدمها الإنسان بين يدي الله تعالى. لذلك، من الحكمة أن نستثمر أوقاتنا فيما ينفعنا بعد الموت، وأن نجعل لأنفسنا رصيدًا من الحسنات يكون نورًا لنا في قبورنا وسببًا لنجاتنا يوم القيامة.
وشهر محرم فرصة عظيمة لنبدأ صفحة جديدة مع الله. فرصة لترك الذنوب، وإصلاح العلاقات، وزيادة الطاعات، ومحاسبة النفس على ما مضى. فلا نقل: “ما زال الوقت طويلًا”، فكم من إنسانٍ كان يخطط للغد ولم يدركه. لنغتنم هذه الأيام المباركة، ولنخصص ساعة يومية نُحيي بها قلوبنا ونبني بها آخرتنا.
فلنجعل شعارنا في هذا الشهر: ساعة لله كل يوم، ودعوة للأموات لا تنقطع، وعمل صالح يبقى أثره بعد رحيلنا. فالدنيا ممرٌّ لا مقرّ، والآخرة هي دار البقاء، والسعيد من عمل اليوم لما ينفعه غدًا بين يدي الله سبحانه وتعالى.








اضافةتعليق
التعليقات