عندما يُذكر اسم "العباس بن علي"، تتجه العقول تلقائياً نحو صور البطولة، والشجاعة الفائقة، والراية التي لم تسقط إلا بقطع الكفوف. لكنّ سؤالاً أعمق يفرض نفسه وسط غبار تلك المعركة: ما الذي جعل العباس خالداً إلى هذا الحد؟ هل هي شجاعته العسكرية فقط؟ أم أن هناك سراً أعظم خلف تلك الهيبة؟
لو كانت الشجاعة وحدها هي المعيار، لخلّد التاريخ مئات الفرسان، لكن العباس انفرد بشيءٍ أندر وأعظم: "الانتصار المطلق على الذات".
اختبار الفرات.. حين يسقط الماء أمام المبدأ
من أعظم المشاهد التي تلخص فلسفة العباس، وقوفه على شريعة الفرات. تخيل المشهد: محاربٌ مجهد، عطشٌ يمزق الأحشاء، شمسٌ لاهبة، والماء البارد يجري تحت قدميه. لا أحد يراه، ولا حارس يمنعه. غرف غُرفةً من الماء ليروي ظمأه الفطري، وهي غريزة لا يُلام عليها أحد.
لكن هنا، في هذه اللحظة الفاصلة بين رغبة الجسد ونداء الروح، تذكر عطش أخيه الحسين وعطش الأطفال. فرمى الماء من يده.
إن العباس لم يرمِ مجرد ماء، بل رمى "الأنا" بكل تجلياتها. لقد أثبت أن الإنسان يمكن أن يمتلك الدنيا بأسرها (ممثلةً في نهر الفرات في لحظة العطش)، ثم يتنازل عنها طواعيةً من أجل مبدأ، ومن أجل المحبة الصادقة.
نهرنا اليومي.. أين نحن من ماء العباس؟
الفرات لم يجف، بل هو يتدفق في حياة كل واحدٍ منا اليوم بأشكالٍ مختلفة.
كم مرة نقف أمام "فرات" المصالح الشخصية، والمكاسب السريعة، والفرص التي قد تكون مشروعة لكنها تتعارض مع المروءة أو التضامن مع من هم أضعف منا؟
حين تتخلى عن راحتك من أجل والديك المريضين.. فأنت تقف على الفرات وترمي الماء.
حين ترفض منصباً أو مالاً فيه شبهة، رغم حاجتك الشديدة إليه.. فأنت تقف على الفرات وترمي الماء.
حين تكتم غيظك وتعفو وأنت قادر على الانتقام.. فأنت تتمثل روح العباس في أسمى معانيها.
العباس يعلمنا أن أعظم انتصار ليس أن تهزم عدوك في ساحة المعركة، بل أن تهزم رغبتك حين تتعارض مع قيمك.
البصيرة.. السلاح الذي لا يُكسر
لم يكن العباس يقاتل بعاطفة الأخوة فقط، بل قاتل بـ "بصيرة". في عالم اليوم المليء بالضجيج، وتداخل الحق بالباطل، واختلاط المفاهيم، نحن بأشد الحاجة إلى "بصيرة العباس". تلك الرؤية الواضحة التي تجعل الإنسان ثابتاً لا تهزه الرياح، ولا تخدعه المغريات، ولا تُسقطه الشبهات.
لقد علّم الأجيال أن الولاء للحق يتطلب وعياً قبل أن يتطلب سيفاً، وأن التضحية تفقد معناها إن لم تكن في المسار الصحيح.
وفاءٌ يُثمر خلوداً
خسر العباس يديه، فصار باباً ممدوداً تُقضى منه الحوائج. وخسر عينيه، فصار نوراً يُهتدى به في ظلمات الفتن. ومات عطشاناً، فصار نبعاً يروي قلوب الملايين بالكرامة والإباء.
إن أفضل وفاءٍ للعباس ليس فقط في إحياء ذكراه بالدموع، بل في استنساخ موقفه في حياتنا. أن نكون السند لمن يلوذ بنا، وأن نكون الأوفياء لوعودنا، وأن نحمل راية الحق في دوائرنا الصغيرة، حتى وإن كنّا وحدنا.
رحم الله أبا الفضل، الذي علّمنا أن الإنسان لا يُقاس بما يأخذ من الدنيا، بل بما يتنازل عنه لأجل السماء.








اضافةتعليق
التعليقات