إن من مقومات شخصية الإنسان الإيجابي مواصلة التطوير لذاته في جميع المجالات التي تعود بالنفع عليه في الدارين، وأن يطبق الأفكار الإيجابية على تصرفاته وردود أفعاله، يقول أهل الاختصاص في هذا المجال: ولكي تصبح فعالاً بحق عليك بتطبيق استراتيجيات التفكير الإيجابي، ليس فقط فيما يخص الأفكار والأفعال والانفعالات اليومية، ولكن بمستوى أعمق من ذلك بكثير بحيث ترسخ خصال شخصيتك بثبات وقوة، وإذا كان الجانب الأول للشجاعة هو الاستعداد لأن تبدأ فإن الجانب الثاني هو الاستعداد لأن تستمر وتتحمل فالانضباط الذاتي هو صفة تمنحك القوة التي تحتاجها لتقدم على المخاطر.
ويعدّ الالتزام هو القوة التي تدفعنا لنستمر حتى بالرغم من الظروف الصعبة، وهو القوة الدافعة التي تقودنا لإنجاز أعمال عظيمة، وهو الذي يخرج من داخلك جميع القدرات الكامنة، ويجعلها تحت تصرفك، وبقوة الالتزام فإنك لن تتراجع وكلما خضت تجربة ستتفتح لديك الفرص الأكثر والأكبر للنجاح، لأن الإسلام وهو يدعو لتعمير الأرض، والعمل في سبيلها، لا ينحرف بالأفكار والمشاعر عن طريق الله وطريق الآخرة، لأنه لا يفصل بين الدنيا والآخرة، ولا بين الحياة العملية والأخلاق.
مثال على ذلك، الجدار الأبيض ما أجمل هذا الجدار، بياضه ناصع ويبعث على البهجة والانشراح، إلا أن في جانبه الأيمن نقطة سوداء غامقة، لا ضير في ذلك والأمر أهون من أن يذكر في جمال صفحة الجدار المشرقة، غير إن ذلك سيكون أمراً سيحقق الاهتمام عند الشريحة السلبية من المجتمع، ذلك لأن طبيعتها الراسخة التي يعجز عن التحرر من رقبتها: إنه ينظر برؤية سلبية إلى الجدار فلا ينشر البياض الناصع ظلاً إيجابياً عن نفسه ولا يلفته نظرة الجمال والتجديد والبناء المتقن وغير ذلك.. بل أثارته نقطة سوداء صغيرة ولو كان العكس لما التفت فالجدار الأسود واللوحة الغامقة طبيعية عنده ولا يلحظ النقطة البيضاء فلا باب يسجل ملاحظة أو انتقادا، إنها حالة شريحة مريضة عديمة الهدف قاصرة الرؤية في الحياة، كل شيء عندها محفوف بالسلبيات المزعجة.
ومثل هذا الإنسان المريض ينتقد الصيف وينتقد الشتاء وينتقد كل فصول السنة لأنه ذو بُعد واحد، بُعد يظنه سلبياً وإن كان إيجابياً في حقيقته، فالصيف الجميل وحركته الاجتماعية الواسعة وثماره الملونة الكثيرة الشهية وزياراته المكثفة وسفراته ونشاطاته الرياضية وعشرات المنافع الضرورية والحيوية الأخرى لا تؤخذ بعين الاعتبار وتنتقد حرارته التي هي من ضروريات الحياة أحيانا، وهكذا يستهدف الشتاء لبرودته مع إغفال ضروراته الصحية وقضائه على الحشرات الضارة والأوبئة في المزارع وأمطاره التي تحمل معها كنوز الحياة السعيدة والرخاء كلها تنسى وينتقد برده النافع لمجريات الحياة.
وهذه الرؤية السلبية تطال كل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وكل شيء مادي أو معنوي وكل فرد ينتقد بصورة لاذعة لكلمة أو موقف أو صفة، كما أن وكل مسؤول ينتقد، وكل صاحب حرفة ينتقد وكل بناية أو معرض أو صورة أو مجتمع أو موكب أو نشاط أو شارع أو زقاق أو عمل، فكما أنه لا يرى بياض الجدار ويرى نقطته السوداء.. كذلك لا يرى في الطبيب خدمته أو أخلاقه أو مثابرته وتحمله بل يرى فيه شيئاً من الكبرياء أو البطء أو تخلف وعده أو شيء آخر من ذلك.
ولا يرى في رجل الدين عزوفه عن بهارج الدنيا ونصحه لأبناء المجتمع وجهده للقيم الإنسانية والتوجيه إلى الخصال الحميدة لا يؤخذ شيء من ذلك بعين الاعتبار بل توجه إليه سهام النقد الجارحة لبعض كلامه أو صفة فيه، أو طريقة معيشته أو ما شابه ذلك، لأن الرؤية السلبية طبيعة مرضية ولا نفع فيها غير الإضرار والتنقيص وتقليل شأن المنتقد (بالفتح) وتثبيط همته وكسر عزيمته، إنها حال تشبه طبائع الذباب الذي يبحث عن الجرح والمتقيح في الجسد ليحوم حوله، وتشبه أيضاً طبائع الطيور الآكلة للجيف تاركة كل الأغذية الطيبة والنافعة في المزارع والغابات الغنية الواسعة.








اضافةتعليق
التعليقات