الزكية
لقد وردت كلمات في القرآن الكريم مشتقة من التزكية في مواضع عديدة كقوله تعالى: قد أفلح من زكاها وقوله: (أقتلت نفساً زكية) وقوله: (لأهب لك غلاماً زكيا) وقوله (ذلك أزكى لكم وأطهر) وهذه الكلمة تستعمل في التطهير والنمو، فالآية الأولى معناها: قد أفلح من زكى نفسه بالتطهير من الأخلاق الذميمة، الناشئة من شر البطن والكلام والغضب والحسد والبخل، وحب الجاه وحب الدنيا والكبر والعجب، فالتطهير من هذه الصفات يكون بالتجرد عنها، وبالعمل الصالح الذي هو ضد البخل والكبر، وما شابه ذلك.
ومعنى الآية الثانية: أقتلت نفساً طاهرة لم تصدر منها جناية أو أي عمل يوجب قتلها، ومعنى الآية الثالثة. أي غلاماً طاهراً من الذنوب، تاماً في أفعال الخير.
والسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) زكية بجميع هذه المعاني والمفاهيم، وفي آية التطهير كفاية لإثبات هذه الأمور، فهي زكية أي مطهرة من كل رجس، وقد ذكرنا معاني الرجس عند البحث عن آية التطهير وأما الآية الرابعة التي معناها النمو والزيادة فإن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) زكية بذلك المعنى أيضاً، وقد ذكرنا بعض ما يتعلق بهذا الموضوع في معنى كلمة (المباركة).
المرضية
إن درجة المرضيين عند الله تعالى درجة عالية، ومنزلة سامية فهناك القليل من عباد الله الذين رضي الله عنهم فكانوا مرضيين عند الله تعالى بسبب اعتدالهم واستقامتهم، ومن جملة الذين فازوا بتلك المنزلة الرفيعة والدرجة الراقية هي سيدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) فإن الله تعالى قد رضي عنها أحسن الرضا، فكانت مرضية عنده لعبادتها وطاعتها مرضية لزهدها وانفاقها، مرضية لصبرها واستقامتها، وقد روى الحافظ العسقلاني عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: (أتاني جبرئيل فقال: يا محمد إن ربك يحب فاطمة فاسجد، فسجدت) .... إلى آخره1، كما روى الذهبي أن جبرئيل نزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - عند ولادة فاطمة - فقال له: (.... الله يقرؤك السلام، ويُقرىء مولودك السلام)2.
المحدثة
قبل كل شيء ينبغي أن نعلم هل تتحدث الملائكة مع غير النبي؟ وهل يراهم غير النبي؟ أو يسمع أصواتهم؟ للإجابة على هذه الأسئلة نراجع القرآن الكريم للتحقيق عن الجواب الصحيح:
1- قال تعالى: (وإذ قالت الملائكة يامريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين) (آل عمران:41)، إن صريح هذه الآية أن الملائكة خاطبت مريم بما مر عليك من كلمات الثناء والأوامر الإلهية، ولاشك أنها كانت تسمع نداءهم وتفهم خطابهم وإلا فما فائدة هذا الخطاب؟ وقيل: الذي خاطبها هو جبرئيل وحده3 .
2- قال سبحانه: واذكر في الكتاب مريم إذ إنتبذت من أهلها مكاناً شرقياً، فاتخذت من دونهم حجاباً، فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا، قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا، قال: إنَّما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكيا، قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغياً، قال كذلك قال ربك هو علي هين، ولنجعله آية للناس، ورحمة منا وكان أمراً مقضيا) (مريم: 16-21).
لقد أجمع المفسرون أن المقصود من روحنا، هو جبرئيل، تمثل لها بصورة آدمي صحيح، لم ينقص منه شيء فانتصب بين يديها، وجرى بينهما الكلام والحوار، قال سبحانه: (وامرأته قائمة فضحكت، فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. قالت ياويلتي ألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إنّ هذا لشيء عجيب قالوا: أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد) (هود: 70-73) إن هذه الآيات تتعلق بمجيء الملائكة إلى دار إبراهيم الخليل (عليه السلام) لتبشره بالولد، وكانت زوجته سارة تخدم وتحمل الطعام إليهم ظناً منها أنهم ضيوف، وهذه الآيات صريحة بأن سارة قد تكلمت مع الملائكة، وخاطبتها الملائكة بما مر عليك من الآيات، قال (عزوجل): (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فالقيه في اليم) (القصص: 7) وقد ذكر المفسرون معنى (أوحينا) أي ألهمنا، وقذفنا في قلبها، وعلى قول: أنها نوديت بهذا الخطاب.
وقد ذكر المناوي في شرح الجامع الصغير ج ۲ ص ٢٧٠ عن القرطبي قال: (محدثون) بفتح الدال إسم مفعول، جمع محدث أي ملهم، أو صادق الظن وهو من ألقي في نفسه شيء على وجه الإلهام والمكاشفة من، أو من يجري الصواب على لسانه بلا قصد، أو تكلمه الملائكة بلا نبوة، أو من إذا رأى رأياً أو ظنَّ ظنّاً أصاب، كأنه حدث به وألقي في روعه من عالم الملكوت، فيظهر على نحو ما وقع له، وهذه كرامة يكرم الله بها من يشاء من صالحي عباده، وهذه منزلة جليلة من منازل الأولياء.
بعد هذه المقدمات سوف لا يصعب عليك أن تعرف أن السيدة فاطمة الزهراء كانت محدثة، إذ ليست سيدة نساء العالمين وبنت سيد الأنبياء والمرسلين بأقل شأناً من مريم بنت عمران أو سارة زوجة ابراهيم أو أم موسى، وليس معنى ذلك أن مريم أو سارة أو أم موسى كُن من الأنبياء، وهكذا ليس معنى ذلك أن السيدة فاطمة الزهراء كانت نبية.
وقد روى الشيخ الصدوق في علل الشرائع عن زيد بن علي قال: سمعت أبا عبدالله (الصادق) يقول إنَّما سميت فاطمة محدثة (بفتح الدال) لأن الملائكة كانت تهبط من السماء فتناديها كما تنادي مريم بنت عمران، فتقول الملائكة: يا فاطمة إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين4 .
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (لأبي بصير ..... وإن عندنا المصحف فاطمة، وما يدريهم ما مصحف فاطمة ؟ قال: فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد وإنما هو شيء أملاه الله عليها وأوحى إليها ... الى آخر الحديث5، إن هذا الحديث يكشف لنا أموراً قد تحتاج إلى بحث وتحقيق، فقول الإمام (عليه السلام): فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات يريد بذلك حجم المصحف، وكمية المواد الموجودة فيه، وحيث أن القرآن كتاب معروف ومشهور عند جميع المسلمين في كل زمان وكل مكان من حيث الحجم والسور والآيات والكمية، لهذا جعل الإمام (عليه السلام) القرآن مقياساً وميزاناً يقيس عليه مصحف فاطمة (عليها السلام) من حيث الحجم وكمية المواد.
فمثلاً: لو أن قرآناً طبع بحروف متوسطة، وصفحات حجمها متوسط، فلنفرض أن عدد تلك الصفحات تبلغ خمسمائة صفحة فلو طبعنا مصحف فاطمة (عليها السلام) بنفس تلك الحروف ونفس حجم تلك الصفحات لبلغ عدد صفحات مصحف فاطمة (عليها السلام) ألفاً وخمسمائة صفحة، أي ثلاثة أضعاف صفحات القرآن، وهذا معنى كلام الإمام (عليه السلام): فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، وليس معناه أن القرآن الموجود بين أيدينا ناقص، وأن مصحف فاطمة مكمل له.
كلاً وألف كلاً.
وليس معناه أن الله أنزل على السيدة فاطمة (عليها السلام) قرآناً، وكل من ادعى غير هذا فهو إما جاهل أو معاند مفتر كذاب، وأما كلمة: المصحف وإن كان هذا الاسم يستعمل في زماننا هذا إسماً للقرآن ولكنه في اللغة يستعمل في الكتب، وفي حديث آخر قال (عليه السلام) وأما مصحف فاطمة (عليها السلام) ففيه ما يكون من حادث، وأسماء من يملك إلى أن تقوم الساعة، بقي الكلام حول جملة أوحى إليها فالمستفاد من القرآن أن الوحي من الله لا يختص بالأنبياء، بل يوحي! الله تعالى إلى غير الأنبياء أيضاً، إستمع إلى هذه الآيات البينات:
Ø (فقضيهن سبع سموات في يومين وأوحى إلى كل سماء أمرها) (فصلت:19).
Ø (وإذ أوحيت إلى الحواريين ان آمنوا بي وبرسولي) (المائدة:2).
Ø (إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا) (الأنفال:12).
Ø (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً) (النحل:68).
Ø (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه) (القصص:7)
Ø (إذ أوحينا إلى أمك ما يوحي) (طه:39).
هذه بعض الآيات التي تصرّح بأن الوحي لا يختص بالأنبياء، بل لا يختص بالبشر، فلقد أوحى الله تعالى إلى كل سماء، وأوحى إلى الحواريين وإلى الملائكة وإلى النحل وإلى أم موسى، فلا يصعب عليك أن تقبل بأن الله تعالى أوحى إلى سيدة نساء العالمين وبنت سيد الأنبياء والمرسلين فاطمة الزهراء (عليها السلام) وكلما تقول في تفسير الوحي إلى أم موسى قُل في تفسير الوحي إلى فاطمة الزهراء، وختاماً لهذا البحث نقول أن مصحف السيدة فاطمة الزهراء كتاب ضخم، يحتوي على جميع الأحكام الشرعية بالتفصيل، ويستوعب قانون العقوبات في الإسلام، حتى بعض المخالفات التي عقوبتها جلدة واحدة أو نصف الجلدة أو ربع الجلدة، بل وحتى غرامة من خدش جسم أحد من الناس خدشة واحدة، وفيه أسماء ملوك العالم الذين حكموا البلاد من ذلك اليوم وسيحكمون إلى قيام القيامة، كل ذلك كان في علم الله الذي هو بكل خلق عليم وبكل شيء خبير بصير محيط، وفيه ذكر الحوادث المهمة من الملاحم والمجازر التي تحدث في الكون وغير ذلك من القضايا المهمة، وليس فيه شيء من القرآن كما هو صريح الحديث.








اضافةتعليق
التعليقات