كان سليمان عليه السلام إذا جلس على كرسيه، اجتمعت حوله الطيور التي سخّرها الله له، فكانت تحجب عنه وعن أصحابه ضوء الشمس. وفي أحد الأيام، غاب الهدهد، فتسللت الشمس من موضعه، فقال سليمان عليه السلام: "مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ثم قال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ".
فلم يكن يكفي أن يقدّم الهدهد عذرًا، بل كان لا بد أن يأتي بحجة واضحة ودليل بيّن. وما هي إلا لحظات حتى عاد الهدهد، وقال: "أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ"، ثم أخبره أنه وجد قومًا تملكهم امرأة، وأنهم يسجدون للشمس من دون الله: "وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ"، وتعجّب من غفلتهم عن عبادة الله، فقال:
"أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ"
ومع أهمية هذا الخبر، لم يتسرّع سليمان عليه السلام في تصديقه، بل قال:
"سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ"
يُظهر تفقد سليمان عليه السلام لرعيته أهمية متابعة القائد لأحوال من تحت مسؤوليته، ومعرفة الغائب والحاضر وأسباب التقصير. فالقائد الواعي لا يكتفي بسماع الأخبار، بل يتثبت منها ويطلب الدليل؛ ليحفظ النظام ويحقق العدل.
وهكذا يعلّمنا هذا الموقف أن الأخبار لا تُقبل بمجرد الدعوى، مهما كان ناقلها، بل لا بد من التثبّت وطلب الدليل؛ فالحقيقة تُبنى على الحجة والبرهان.
التفكير في الحجة والبرهان في قضية سليمان وتفقد الطير فتح آفاق أخرى لطرح بعض الأسئلة للعقول والقلوب السليمة في كل مكان وزمان بما إن الأنبياء يهتمون بأدق التفاصيل كما نرى في القصص الواردة في كتاب الله الكريم وإن كل نبي كان لديه وصي كيف يمكن للنبي الأعظم خاتم الأنبياء أن يترك الأمة دون راع ومسؤول؟
وهكذا يقودنا مشهد سليمان عليه السلام مع الهدهد إلى قاعدةٍ راسخة: أن القضايا الكبرى لا تترك بلا بيان، ولا تقبل فيها الدعاوى من غير تثبّت وحجة. فإذا كان سليمان قد تفقد طائرًا من رعيته، وطلب منه الدليل على خبره، فكيف يُتصور أن يترك خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله أمته بعد استشهاده من غير راعٍ يبيّن لها طريق الهداية ويحفظ وحدتها؟
إن مسؤولية النبي صلى الله عليه وآله لم تكن تنتهي باستشهاده، كما أن مسؤولية الأمة لا تنتهي بسماع ما قيل لها، بل تبدأ بالبحث عمّا بلّغه النبي، ومن عيّنه، وكيف تعامل المسلمون مع أهل بيته بعده.
ومن هنا يكتسب موقف سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام دلالته العميقة؛ فقد وقفت بعد استشهاد أبيها، واحتجّت، وبيّنت، ولم تسمح بأن تمرّ الأحداث الكبرى من غير شهادة. فاطمة الزهراء سلام الله عليها (غضبتْ على أبي بكر وماتت وهي غاضبة عليه) راجع البخاري ح ٣٠٩٣ . فبقي موقفها شاهدًا على اعتراضها على ما جرى بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.
ولم يكن غضبها موقفًا عابرًا، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله:
«فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني».
فإذا كانت الزهراء بضعة رسول الله، فإن موقفها لا يُتجاهل ولا يُختصر في تبرير سريع، بل يستحق أن يُقرأ بعقلٍ منصف وقلبٍ صادق. لقد أقامت حجتها أمام الأمة، ثم رحلت وهي تحمل جرحا نازفاً تاركة وراءها سؤالا لا يزال ينبض بالحياة :
ماذا جرى لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله بعد وفاته؟ ولماذا كان موقف الزهراء سلام الله عليها بهذه القوة؟
وهل ماتت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله ولم تبايع أبابكر؟ فقد ورد في صحيح مسلم (مَن مات وليس في عنقه بيعة(إمام) مات ميتة جاهلية) فإمَّا أن تكون فاطمة ماتت ميتة جاهلية وحاشاها وهذا لا يقوله أحد من المسلمين، لأن فاطمة سلام الله عليها سيدة نساء أهل الجنة بنص صحيح البخاري، وإمَّا أن يكون أبو بكر ليس بإمام).
وهذا الأمر أكَّده عمر بن الخطاب حيث وصف بيعة أبي بكر بأنها بيعة شرٍ وفلتة، وأخرج كلام عمر البخاري ح ٦٨٣٠، قال عمر: كانت بيعة أبي فلتة ولكنَّ الله وقَى شرَّها)
إن قصة الهدهد تعلمنا أن الحق لا يُعرف بالصمت ولا بمجرد شيوع القول، بل بالنظر في الوقائع، وسماع الحجة، وتمييز الصادق من الكاذب والمدعي ولذلك فليبحث المسلم بصدق عمّا جرى، ولا يكتفِ بما ورثه من أقوال أو مواقف.
فالحقيقة لا تخشى السؤال، والحق لا يخاف البحث، ومن طلبهما بإنصاف قادته الحجة إلى نور الهداية.
فلننظر.. لم يكن غياب الهدهد عن سليمان غيابًا عابرًا، ولم تكن وقفة الزهراء عليها السلام أمام قومها موقفًا عابرًا؛ فكلاهما يعلّماننا أن أهل البصيرة لا يمرّون على الحقيقة مرورًا عابرًا، وأن من لامس نور الحق بقلبه لا يستطيع أن يصمت حين تُحجب الحقيقة عن العيون، أو يُترك الهدى غريبًا بين الناس.
واليوم، ونحن نعيش زمن الغيبة، يبقى السؤال ذاته معلّقًا في أعماقنا، يوقظ الضمير ويهزّ القلب: ما الذي أدركناه نحن؟ وماذا صنعنا حين غاب إمامنا عن أبصارنا؟
سننظر… سيظهر و يملأ الأرض قسطا وعدلا و يأخذ بثأر أمه …








اضافةتعليق
التعليقات