حين نتحدث عن الصلاة على محمد وآل محمد لا بد أن نقف عند كلمات أحد أئمة أهل البيت عليهم السلام، الإمام الحسن العسكري عليه السلام، ذلك الإمام الذي عاش في زمنٍ اشتدت فيه الرقابة والظروف الصعبة ومع ذلك بقي قلبه مشعّاً بالهداية ولسانه عامراً بذكر الله تعالى، كان الإمام العسكري عليه السلام يعلّم أصحابه أن العبادة ليست ألفاظاً تُقال فحسب، وإنما حقيقةٌ تسكن القلب وتظهر آثارها في سلوك الإنسان وحياته.
ومن هنا جاءت كلماته لتربط بين الصلاة والذكر والولاية وتكشف للمؤمن أن الصلة بمحمد وآل محمد عليهم السلام ليست أمراً موسمياً، بل عهد دائم ومسيرة من الإيمان والطاعة.
ان الله سبحانه وتعالى لم يجعل الصلاة على النبي مجرد ذكرٍ باللسان، وإنما جعلها عبادةً تشترك فيها الملائكة والمؤمنون.
كما ورد في القرآن الكريم:
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
وقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله):
مَن صلّى عليَّ صلاةً واحدةً صلّى الله عليه بها عشر صلوات، وحطَّ عنه عشر خطيئات، ورفع له عشر درجات.
فإذا كانت صلاة واحدة على محمد وآل محمد ترفع الإنسان عشر درجات، فكيف بمن جعل الصلاة عليهم أنيس لسانه في يومه وليلته؟
وهنا ندرك جمال الرواية التي وردت عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام):
إنما اتخذ الله إبراهيم خليلاً لكثرة صلاته على محمد وأهل بيته، صلوات الله عليهم.
عندما نلاحظ التعبير نجد التركيز على: لكثرة صلاته، لم يقل فقط لأنه صلى، وإنما لكثرة الصلاة.
ويحث أهل البيت (عليهم السلام) على أن الصلاة على محمد وآل محمد من أسباب قبول الدعاء.
فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال:
لا يزال الدعاء محجوباً حتى يُصلّى على محمد وآل محمد وهنا نستطيع أن نسأل أنفسنا: إذا كان الإنسان يريد أن يطلب حاجة من الله، فكيف يبدأ؟
يبدأ بالصلاة على محمد وآل محمد، ويحمد الله تعالى، ثم يذكر حاجته، ثم يختم بالصلاة على محمد وآل محمد.
ورد أن رجلاً جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وقال له إنه يجعل للنبي نصيباً من دعائه، وسأل عن مقدار ذلك، حتى قال إنه يجعل دعاءه كله صلاة على النبي صلى الله عليه وآله فأجابه النبي (صلى الله عليه وآله) بما معناه أن ذلك يكفيه الله به همَّ دنياه وآخرته ويغفر له ذنبه.
وهنا توجد رسالة تربوية جميلة: نحن كثيراً ما نحمل الهموم ونرى بأن الدنيا ضاقت في أعيننا وتخنقنا الهموم: همّ الرزق، همّ المرض، همّ الأولاد، همّ المستقبل، همّ الذنوب، همّ الآخرة، لكن أهل البيت (عليهم السلام) علمونا ألا نحمل الهم وحدنا بل يجعلون لنا طريقا ينقذنا من الهموم ويعلموننا أن نجعل لنا ورداً من الصلاة على محمد وآل محمد.
ليس فقط عندما نقع في المشاكل، بل قبل الوقوع في المشكلة. ليس فقط عندما نكون في ضيق، بل و نحن في السعة.
لأن المؤمن إذا تعود لسانه على الصلاة على محمد وآل محمد، أصبح ذكرهم رفيقاً له في كل أحواله.
ولكن هناك حقائق أخرى في تفسير أهل البيت عليهم السلام عند الآيات التي ذكرت فيها كلمة الصلاة، فورد عن مولانا العسکری (علیه السلام) في تفسير هذه الآية المباركة أَقِیمُوا الصَّلاةَ، الْمَکْتُوبَاتِ الَّتِی جَاءَ بِهَا مُحَمَّدٌ (صلی الله علیه و آله) وَ أَقِیمُوا أَیْضاً الصَّلَاةَ عَلَی مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله) وَ آلِهِ الطَّیِّبِینَ الطَّاهِرِینَ (علیهم السلام) الَّذِینَ عَلِیٌّ (علیه السلام) سَیِّدُهُمْ وَفَاضِلُهُمْ.
وأيضا يبين مولانا العسکری (علیه السلام) في مكان آخر في تفسير هذه الآية المباركة وَ ارْکَعُوا مَعَ الرَّاکِعِینَ، تَوَاضَعُوا مَعَ الْمُتَوَاضِعِینَ لِعَظَمَةِ اللَّـهِ عَزَّوَجَلَّ فِی الِانْقِیَادِ لِأَوْلِیَاءِ اللَّـهِ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله) نَبِیِّ اللَّـهِ وَ عَلِیٍّ (علیه السلام) وَلِیِّ اللَّـهِ وَ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُمَا سَادَاتِ أَصْفِیَاءِ اللَّـهِ.
الصلاة على محمد وآل محمد ليست مجرد ذكرٍ باللسان، بل هي عبادة تُنمّي الإيمان والولاء والتواضع في قلب المؤمن.
عندما يقول المؤمن: «اللهم صلِّ على محمد وآل محمد» فهو يستحضر مقامهم ويجدد عهده بالمحبة والاتباع.
وقد أكدت النصوص على اقتران الدعاء بالصلاة عليهم لأنها جزء من بناء الشخصية الإيمانية.
والذكر الحقيقي هو الذي يغيّر الإنسان فيجعله أرحم وأصبر وأقرب إلى الله تعالى.
فينبغي أن تكون الصلاة عليهم ورداً دائماً في السعة والشدة ليطمئن القلب ويثبت الإيمان، يبقى القلب معلّقاً بصاحب الزمان، يرجو طلوع فجره بعد طول الانتظار.
نذكره لا لأن الغيبة أبعدتنا عنه، بل لأن المحبة تحفظ في الروح عهداً لا يغيب.
فنكثر من الصلاة على محمد وآل محمد، ونكمل الصلاة على قائهم الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا .
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وصلِّ على وليّك وحجتك في أرضك وخليفتك على عبادك، الإمام المهدي المنتظر، صاحب العصر والزمان، عجل الله تعالى فرجه الشريف.
ونقرأ في زيارة الامام الحجة ارواحنا فداه في يوم الجمعة :
صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَعَلَىٰ آل مُحَمَّدٍ، وَاجْعَلْنِي مِنْ أَتْباعِهِ وَشِيعَتِهِ، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَتِهِ …








اضافةتعليق
التعليقات