في "اليوم العالمي للاعنف"، إن العنف ليس فقط سكون الأسلحة وصمت الميادين، بل نقف عند تلك الحروب الخفية التي تدور خلف الأبواب المغلقة وفي دهاليز الأرواح المطفأة، إن العنف ليس مجرد نزوة غضب عابرة أو قسوة مادية يسهل رصدها بالعين المجردة، بل هو زلزال متدرج يبدأ بتهميش الجسد، ولا يستقر حتى يهدم معبد النفس بالكامل، فهو ليس مجرد نزوة غضب طارئة أو لحظة انفلات لأخلاق الفرد، بل هو تشوه عميق يصيب نسيج المجتمعات، وتتوارثه الأجيال إن لم تجد من يكسر سلسلته.
فحين نتحدث عن "العنف"، تقفز إلى أذهاننا فوراً تلك الصور التي تخلفها الأسلحة واللكمات، والدماء التي تسيل على الأرض، لأن البصر يسهل عليه التقاط الصارخ والملموس، لكن الفاجعة الحقيقية تكمن في أن العنف الجسدي ليس إلا القشرة الخارجية لظاهرة أعمق وأعتى، رحلة مظلمة تنحدر بالضحية والمجتمع من صدمة الجسد الصريحة إلى جراح النفس الخفية التي تنزف بلا صوت ولا أثر ظاهري حيث يتوزع العنف الى محطات .
المحطة الأولى: العنف الجسدي
يبدأ السقوط عندما يتراجع العقل وتتوارى لغة الحوار، ليصبح الجسد ساحة لتفريغ القهر والسيطرة، والعنف الجسدي هو الشكل الأبشع والأكثر وضوحا، إنه اللطمة والضرب والقسوة المادية التي تنتهك حرمة الإنسان وتحوله من كيان كرّمه الله إلى هدف للبطش، ففي البيوت والمدارس والشوارع، يُمارس العنف الجسدي غالباً تحت مبررات واهية: "التربية"،"التأديب"، أو "فرض الهيبة"، لكن النتيجة الواقعية واحدة: تدمير الأمان الأساسي، حيث يُسلب الإنسان شعوره الفطري بالأمان داخل المساحات التي يُفترض أنها ملاذه الآمن (كالمنزل أو المدرسة).
وفي الحقيقة إن الجرح الجسدي قد يلتئم مع الأيام وتزول آثاره الجلدية، لكن الشعور بالعجز والهوان لحظة وقوع ضربة قاسية يظل محفوراً في ذاكرة الضحية، ليتحول من ألم مادي إلى صدمة، فعندما يُضرب الطفل أو يُهان الشخص جسدياً، يتشرب عقله الباطن رسالة مفادها أن "القوة هي وسيلة حسم النزاعات"، ليتحول المضروب مستقبلاً إلى ضارب، والدائرة تتسع.
المحطة الثانية: المنزلق إلى العنف اللفظي والرمزي
إن جسر العبور للداخل مع تقدم المجتمعات وتغير أنماط السلوك، أدرك المستبدون والأشخاص المؤذون أن للضرب الجسدي تبعات قانونية واجتماعية صارمة، فبدأ الانحدار نحو شكل أكثر دهاء من السيطرة وهو العنف اللفظي والرمزي، حيث الكلمة قد تكون أشد فتكاً من السيف، فالصراخ، والشتائم، والتحقير اليومي، والتنمر، وتسمية الأشخاص بالألقاب المسيئة ليست سوى رصاصات غير مرئية توجه نحو الذات، وهنا يرتدي العنف زياً جديداً، حيث يُستبدل الكرباج باللسان، ويتم اختزال قيمة الإنسان في عيوبه أو أخطائه، حيث يبدأ الضحية يشك في عقله وذاكرته، وتحاول هذه المرحلة كسر الكبرياء الداخلي لتهيئة الضحية للمرحلة الأخيرة والأشد خطورة وهي الاستسلام الكامل للعنف النفسي.
المحطة الثالثة: العنف النفسي
هنا نصل إلى أعمق نقاط هذا المنحدر وأكثرها مظلمة، العنف النفسي إنه العنف الذي لا يترك حمرة على الجلد ولا كدمة يُمكن تشخيصها بتقرير طبي، لكنه يهدم الشخصية من الداخل حجراً بحجر، ويتجلى في صور متعددة تجعل الضحية حية في الظاهر، ميتة في الباطن مثلا الإهمال والتجاهل، حرمان الإنسان من التواصل وتجاهل وجوده ومشاعره كأنه غير مرئي، وهو نوع من الحبس الفردي النفسي الذي يقتل رغبة الإنسان في الحياة اي العزل الاجتماعي حيث تقطع صلة الضحية بأهلها وأصدقائها، والتحكم في تفاصيل حياتها اليومية، حتى تفقد استقلاليتها بالكامل وتصبح رهينة للطرف المؤذي.
كذلك هو الحال مع الابتزاز العاطفي وشحن الذنب، أي إيهام الضحية دائماً بأنها هي السبب في كل مشكلة، وأنها "غير جديرة بالحب" أو "غير كافية"، مما يجعلها تعيش في حالة دفاع مستمر وخوف دائم من الفقد أو الغضب، والمأساة في العنف النفسي أنه يُفقد الضحية البوصلة الذاتية، فتصبح مع الوقت تؤمن بالرسائل المسمومة التي تُلقى عليها، فتبدأ هي بنفسها في ممارسة العنف ضد ذاتها عبر جلد الذات، وتدني تقدير النفس، والوقوع في شباك الاكتئاب والقلق المرضي، وقد ينتهي المطاف بالانسحاب التام من الحياة أو التفكير في الإيذاء الذاتي.
ولا يقتصر ضحايا هذا الانحدار على الأفراد فحسب، بل يمتد شرارها إلى نسيج المجتمع ككل، وإن مواجهة العنف لا تكون فقط بوضع قوانين تجرم الضرب والاعتداء المادي، رغم أهميتها القاطعة بل تبدأ بتغيير الثقافة الاجتماعية والوعي الإنساني، حيث علينا أن ندرك أن سلامة الجسد لا تعني شيئاً إذا كانت الروح حطاماً، وأن الكلمة القاسية أو موقف التجاهل قد يكون أحياناً أشد إيلاماً وتدميراً من ضربة يسيل لها الدم و إن التعافي الاجتماعي يبدأ من الشجاعة في تسمية الأشياء بمسمياتها، بأن نعترف أن العنف النفسي جريمة كاملة الأركان تتطلب الوقوف بوجهها، ويبدأ بالتعليم القائم على الرحمة، وبالتواصل العاطفي داخل الأسرة، وبتأكيد حقيقة بسيطة ولكنها مفصلية: "الإنسان مكرمٌ بكل أبعاده، وحرمة روحه ونفسه لا تقل عن حرمة جسده".








اضافةتعليق
التعليقات