ثمة أرواحٌ يضيق بمدى عظمتها أفق اللغة، وتتضاءل أمام جلالها مفردات البيان، وأعظم تلك الأرواح نورٌ اختصه الله بعلو المقام وسُمو المرتبة، إنها سيدةُ نساء العالمين فاطمةُ البتول (صلوات الله وسلامه عليها)، ليست فاطمة مجرد رقمٍ في سجل الخالدات، ولا شرفا عابرا في شريط التاريخ بل هي المدار الذي عليه تدور رحى الوجود، والنقطة التي تلتقي عندها أسرار النبوة والولاية.
وفي هذه الأيام الفاطمية الأليمة حيث يرتدي الدهر ثوب الحزن، ويستحضر الوجدان ذكراها، نجد أنفسنا أمام حاجة ماسة للغوص في بحر عظمتها، لاستكشاف أبعاد تلك الشخصية الاستثنائية التي غيرت مفهوم الشرف والكمال.
النور الأول والنشأة المَلكوتية
إن السعي لفهم السيدة الزهراء ينبغي أن يبدأ من حيث بدأ الوجود ذاته، لا من التاريخ الأرضي الذي يؤرخ لولادتها في مكة، فلقد كانت فاطمة كائنا نوريا يسبق العوالم والأزمان، ويسمو على مفاهيم الزمان والمكان، فهي ليست نسيجا بشريا عاديا خُلق من تراب فحسب، بل هي قبس من نور الله الأقدس أُودع في هيكل إنساني ليشرق على أهل الأرض، ويجلي لنا هذه الحقيقة الملكوتية الحديث الشريف المروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «خلق نور فاطمة عليها السلام قبل أن تخلق الأرض والسماء ... خلقها الله عز وجل من نوره قبل أن يخلق أدم».
إن هذا النص الإلهي يفتح أمام العقل آفاقا يتجلى فيها سر أسبقيتها على الخلائق، لقد طاف نورها حول العرش قبل أن تُبسط الأرض أو تُرفع السماء، وقبل أن ينفخ الله في آدم من روحه، ومن هذا النبع النوراني الشريف، كان حضورها في العالم الأرضي امتدادا لذلك الوجود الإلهي الذي استحقت به أن تكون "أم أبيها"، والوعاء الطاهر لنسل النبوة، والمشكاة التي أضاءت ظلمات العقول والقلوب.
الولاية التكوينية والسيادة المطلقة
إن عظمة البتول (عليها السلام) لا تقف عند حدود شرف النسب، ولا عند أبعاد عبادتها وزهدها وحسب، بل تتجاوز ذلك لتصل إلى مقام الولاية المطلقة التي طأطأ لها الوجود رأس الخضوع، لقد جعل الله طاعتها مقياسا للكمال التكويني والتشريعي، فلم يقتصر سلطان طهرها على البشر، بل امتد ليشمل كل ما خَلق الله في العوالم العلوية والسفلية، ويتجسد هذا الشرفُ الإلهي بكل وضوح وجلاء فيما روي عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) حيث قال: «ولقد كانت عليها السلام مفروضة الطاعة على جميع من خلق الله من الجن والإنس والطير والوحش والأنبياء والملائكة».
تأمل في عمق هذا البيان الباقري، إنه يُعلن بصراحة لا لبس فيها أن طاعة فاطمة كانت عهدا مأخوذا على الكائنات بأسرها، الأنبياء والرسل في مراتبهم العالية، والملائكة المقربون في صوامعهم الملكوتية، وعوالم الجن والإنس، بل حتى الطير والوحش في سائر الآفاق، كلهم أُمروا بالخضوع لنورها والانقياد لأمرها، إنها ولاية تكوينية شاملة تثبت أن الزهراء هي القطب الذي أقيمت عليه سنن الهداية، والوسيلة التي بها تقضى الحاجات وتُستكشف الكربات، وعلى الرغم من هذا المقام العالي والمكانة الملكوتية التي تخضع لها العوالم، أطلت فاطمة (عليها السلام) على الدنيا في أبهى صور التواضع والزهد.
عاشت في بيتٍ طيني صغير بالمدينة المنورة، لكنه كان أعظم من قصور الكسرويين والقيصرية، بيتٌ كان يهبط فيه الوحي، وتخفق فيه أجنحة الملائكة، حيث شهدت أروقة ذلك البيت كيف تطحن بالرحى حتى تعبت يداها، وكيف تقف في محراب عبادتها حتى تورمت قدماها، يُجللها الخشوع وتستغرق في مناجاة ربها، وفي غمرة هذا الجهد والمكابدة كانت لا تنسى الآخرين، هكذا رسمت الزهراء الأُنموذج الأعلى للإنسانية حيث تمزج بين سيادة الملكوت وزهد القديسين، وبين جلال العظمة ولطف الرحمة.
ولم تكن الزهراء مجرد شاهدة على عصرها بل كانت البطلة المدافعة عن الحق، والدرع الحصين لحماية خط الإمامة والرسالة بعد رحيل المصطفى (صلى الله عليه وآله)، وقفت كالطود الأشم، تُلقي خطبها البلاغية التي هزت أركان التاريخ، فكانت كلماتها صاعقة على الظلم، ومشعلاً ينير طريق الأحرار عبر العصور.
وإن إحياء ذكرى الأيام الفاطمية ليس مجرد استذكارٍ لمأساة تاريخية أو ذرف للدموع، بل هو تجديد للعهد مع المبادئ التي عاشت واستشهدت من أجلها الزهراء، إنها دعوة ليستلهم العالم من نبعها الصافي معاني العزة، والصمود، والإخلاص، والتمسك بالحق مهما بلغت التضحيات، وستبقى فاطمة الزهراء (عليها السلام) السر المكنون، والجوهرة المكتومة، والنور الذي لا يطفئه ظلامُ الزمان، خُلقت من نور الله قبل العوالم، وفرض الله طاعتها على جميع الخلائق، لتظل رمزا أبديا للكمال الإنساني، وقبلة لقلوب العارفين والأحرار في كل زمان ومكان.








اضافةتعليق
التعليقات