كنا نستقبل على شاشاتنا برامج ترتقي بالعقول وتستقطب الطاقات الحيوية نحو أفق أرحب تغذي الوجدان، وترهف الذوق، وتفتح أحداقنا على معالم الجمال؛ برامج كانت بمثابة مشاعل تنوير ورسائل قيمة تبني الإنسان وتشيّد ركائز الحضارة.
أما اليوم، فقد غدونا أمام تسمم كامل للمشهد السمعي والبصري؛ إذ يُقدَّم لنا على طبق من ذهب نتاجٌ يرتدُّ بالذائقة نحو عصور الظلام: برامج استهلاكية تغلب عليها البهرجة ومساحيق المقدِّمة أكثر من محتوى البرنامج نفسه، سواء كان تلفزيونيا أو بثا على بعض المواقع، تتخللها إعلانات تحت لافتات براقة وتعري واضح للذوق. وقد تجد من يشاهد ليس لمحتوى البرنامج بل للاستمتاع بالنظر لما يُرى، وهو تجلٍّ صارخ لما أسماه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو بـ «السلطة الحيوية الناعمة»؛ حيث تُستغل وسائل الإعلام لإعادة تشكيل السلوك الجمعي، وتوجيه وعي المتلقي نحو الاستسلام والانقياد.
هذه الخطة التي تُجهز العقول على القبول والاندراج والخضوع لصالح العقل الجمعي بتقبل اللباس شبه العاري والمساحيق الزائدة عن الحد بكل أشكالها؛ وبعد هذا، تعتاد العين على هكذا مناظر وهيئة خارجة عن حدود الحجاب والشرع والعفة، وبهذا عندما يرى ابنته أو أخته أو زوجته بهيئة مخلة لا يعترض؛ لأن العين اعتادت، وهذا هو المبتغى والهدف بالنسبةِ لهم؛ تفكيك الغيرة تجاه العرض.
إن من يتصدرون هذه المنصات يستعيدون بامتياز ظاهرة «القطيعية» كما حللها فريدريك نيتشه؛ حيث يتوارى العقل النقدي المستقل لصالح النزوع الغريزي المشترك، فتُمَجد الشخصيات الوهمية والرمزيات الفارغة لقاء متعة نظر زائلة عبر إبداء إعجاب أو تعليق. يتجلى هنا مفهوم «تسليع القيمة»؛ فهنا تُباع الكرامة وتُبتذل الرموز الحقيقية مقابل رموز وهمية شكلية في سوق الذوق المعدوم عبر تنميق الكلام وافتتانات واضحة تحت مسمى التطور لاستقطاب عديمي الذوق وذوي النظرةِ الضيقة للثقافة.
هذا التجريف البرامجي هو تطبيق عملي لنظرية التسليع الاجتماعي ونظرية مجتمع الاستعراض لـ «غي ديبور»؛ حيث يُستبدل الواقع الفعلي بالصورة المصنوعة، وتُختزل الطاقات البشرية في مادة خام قابلة للعدوى وإعادة التوجيه، مجردة من القدرة على التفكير الذاتي أو الاعتراض. إنه إعادة إنتاج شخصيات لا تملك من العلم شيئاً سوى أنها تملك قبول الانحدار وتتسم بعدم الحياء.
نحن نعيش أزمةً وحالةً من «الاستلاب الثقافي» وتزييف الوعي الممنهج، تُغيَّب فيها معايير العقلانية، وتُذاب في أتونها قيم العلم والابتكار. إنها صرخة أنثروبولوجية في وجه واقعٍ يخاطر بفقدان بوصلته الحضارية، ويمضي قدماً نحو إعادة إنتاج التخلف في أباهى صوره الشاشاتية.








اضافةتعليق
التعليقات