بعدما تعرضت عجلة أبو ليث لخدوش متفرقة، قرر أن يضع حدًا لهذه الحوادث التي تكررت أكثر من مرة، فمع كل خدش جديد كان يجد نفسه مضطرًا لمراقبة المارّين بمحاذاة عجلته، في محاولة لمعرفة الفاعل، وهو أمر سرعان ما أصبح متعبًا وغير مجدٍ. هنا كان لا بد من إيجاد وسيلة أسهل، وفي الوقت نفسه شاهد يمكن أن يثبت ما يدعيه إذا قرر تقديم شكوى إلى مركز الشرطة، فكانت كاميرا المراقبة هي الحل المناسب.
لم تعد تجربة أبو ليث حالة فردية، إذ هناك العديد من الحالات المشابهة أو المختلفة، وهذا ما وثقته إحدى كاميرات المراقبة مؤخرًا في العاصمة بغداد، بعد اندلاع مشاجرة عنيفة داخل أحد الأحياء في منطقة الحرية، حيث استُخدمت فيها أدوات جارحة وعصي خشبية وهراوات لغرض الضرب والاعتداء.
وقد أسفرت المشاجرة عن إصابة أحد الأشخاص ونقله إلى المستشفى لتلقي العلاج، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل أقدم المعتدون على ضرب أفراد عائلة المصاب (بمن فيهم نساء العائلة) أثناء محاولتهم فض الاشتباك.
انتشرت الحادثة بعد وقوعها عبر منصات التواصل، وقد أثارت جدلًا واسعًا في الشارع العراقي، وتوضح لنا هذه التجربة أهمية وجود كاميرات المراقبة وما لها من دور رقابي يحفظ حقوق الآخرين، سواء فيما يتعلق بالممتلكات الخاصة أو العامة أو حياة المواطن، فهي وسيلة مهمة، كما لم يقتصر استخدامها على المؤسسات الحكومية، بل امتد إلى المحال التجارية والشوارع وحتى واجهات المنازل، لتصبح عينًا ترصد ما يحدث وتوثق التفاصيل.
وبين من يراها أداة لتعزيز الأمن ومن يعدّها تدخلًا في الخصوصية، تسلط (بشرى حياة) الضوء على هذا الجانب للكشف عن مدى فاعليتها وجدواها في الحياة اليومية...
أمر ضروري
يرى الحاج سلمان غانم، صاحب متجر للملابس النسائية، أن تنصيب منظومة كاميرات المراقبة أمر ضروري، خصوصًا بعد تعرضه للسرقة أكثر من مرة، أما الآن، فبعد تركيبها أصبح أكثر اطمئنانًا، حتى الزبائن يتعاملون بثقة لأنهم يعرفون أن كل شيء مراقب.
وتقول فاطمة السلامي، صاحبة متجر لمواد التجميل: إن الكاميرا ساعدتني على متابعة سير العمل من قبل العاملات، حتى وأنا في البيت أو خارجه، وذلك من خلال هاتفي، ولكن أحيانًا أشعر بأنها تقيّد الحرية، خصوصًا حرية العاملات، مما تسبب لهن بالتوتر.
ويضيف مرتضى الكرعاوي، موظف في القطاع الصحي: كاميرا المراقبة ضرورية في كل الأماكن، خصوصًا العامة، لأن وجودها يقلل من الجريمة كالسرقة وغيرها من القضايا الأخلاقية، لأنها تحفظ حق المواطن في حال تعرضه للأذى، فبمجرد أن يعرف الشخص أنه مراقب يتردد في اقتراف أي خطأ.
ويؤكد قاسم الشبلاوي، تاجر في بيع الأجهزة الكهربائية: من الناحية التجارية، كاميرات المراقبة مهمة جدًا، إذ تكشف الخلافات بين الزبون والعامل وصاحب المتجر، وتوثق كل عملية بيع وتضمن حقوق الطرفين. أرى أنها جزء مهم من النظام الإداري للمتاجر، وليست أداة مراقبة فقط.
أداة مهمة
ويحدثنا مدير مركز الإعلام الرقمي في قسم الإعلام في العتبة الحسينية المقدسة، وتدريسي في كلية الإعلام بجامعة وارث الأنبياء، الأستاذ ولاء الصفار، قائلًا:
في حياتنا اليومية، لم تعد كاميرات المراقبة مجرد وسيلة تسجيل، بل أصبحت جزءًا من أنظمة المنزل الذكي، تؤدي دورًا مهمًا في الردع والوقاية من السرقة، والتحقق السريع عند الحوادث، ومتابعة الأطفال وكبار السن، إضافة إلى المراقبة عن بُعد، بل وتقديم تنبيهات قد تكون منقذة للحياة في حالات الطوارئ.
وفي المقابل، ورغم هذه الأهمية، فإن وجود الكاميرات داخل المنازل يلامس أكثر جوانب حياة الإنسان حساسية، وهو الخصوصية، إذ إن البيت يمثل مساحة الراحة والتلقائية، لذلك قد تمنح الكاميرات أمانًا ماديًا، لكنها قد تضعف الإحساس بالأمان النفسي إذا تحولت إلى مراقبة دائمة أو تعرضت بياناتها للاختراق أو سوء الاستخدام.
وأضاف الصفار: أما على الصعيد الأخلاقي والقانوني، فتبرز عدة اعتبارات أساسية، منها ضرورة وجود مبرر حقيقي لاستخدام الكاميرا، والتناسب في نطاق التصوير، وضرورة علم الموجودين أو موافقتهم، إضافة إلى تأمين البيانات وتحديد الغرض من الاستخدام. ويتحقق التوازن بين الأمان والخصوصية عبر وضع الكاميرات في المداخل فقط، وتجنب الأماكن الخاصة، وتقليل التسجيل الصوتي، وحماية الأنظمة بكلمات مرور قوية وتحديثات مستمرة، مع الالتزام بالقوانين التي تجرّم التسجيل دون إذن في الأماكن الخاصة.
ومن الناحية الاجتماعية، لا يمكن الحكم على تأثير الكاميرات بشكل مطلق، فهي قد تعزز الشعور بالأمان داخل بعض الأسر، لكنها في الوقت نفسه قد تغير طبيعة العلاقات من الثقة إلى المراقبة، مما يخلق توترًا خفيًا، كما أن الإحساس بالمراقبة المستمرة قد يدفع الأفراد إلى تعديل سلوكهم أو التحفظ في تصرفاتهم، وهو ما يُعرف بالأثر المثبط.
وتابع بالقول: وعلى مستوى السلوك العام، تسهم الكاميرات في ردع المخالفات وتعزيز الالتزام بالقوانين، لكنها قد تدفع البعض إلى التصرف بشكل غير طبيعي أو مصطنع بسبب الشعور بالمراقبة، مما يؤثر على التلقائية والراحة النفسية.
ختامًا، تبقى الكاميرات أداة مهمة عند استخدامها ضمن حدود الحاجة والضوابط، لكنها تتحول إلى عبء أخلاقي ونفسي إذا توسعت بلا قيود، لذلك فإن المعادلة الأصح ليست الاختيار بين الأمن أو الخصوصية، بل تحقيق أمن منضبط يحترم خصوصية الأفراد.
الكاميرات في كربلاء المقدسة
هذا وقد شهدت الأسواق العراقية انتشارًا واسعًا لأنظمة الكاميرات السلكية واللاسلكية (IP وWi-Fi) وكاميرات الـPTZ والحرارية وغيرها من التقنيات الحديثة، حيث أطلقت السلطات العراقية مشاريع للأمن الذكي تعتمد على قواعد بيانات وكاميرات متطورة لرصد التحركات وملاحقة المطلوبين والترقب في الشوارع والتقاطعات، لرصد الجرائم الجنائية والإرهابية وتنظيم حركة السير وتطبيق اللوائح المرورية.
وقد كان لمدينة كربلاء المقدسة دور فعّال في هذا الجانب، كخطوة إيجابية نحو تعزيز الأمن والاستقرار وتوظيف التكنولوجيا الحديثة في إدارة المدن وتأمينها، كقفزة نوعية وثورة تكنولوجية في دعم الأجهزة الأمنية والاستخبارية والخدمية.
وقد ذكرت الجهات المعنية في تصريحات موثقة أن مراحل الإنجاز الفني للمنظومة تسير وفق خطط علمية مدروسة ومراحل متتالية، حيث شهدت المرحلة الأولى نصب وتجهيز 6100 كاميرا ذكية بمواصفات تقنية فائقة التطور ومختلفة الأغراض، أما المرحلة الثانية فقد تمت بواقع 425 كاميرا ذكية إضافية متنوعة المواصفات لتعزيز التغطية الأمنية الشاملة في مختلف القطاعات، بالتزامن مع إدخال منظومة الرادار المرورية الحديثة للخدمة بواقع (20) كاميرا رادار متطورة مخصصة لكشف المخالفات المرورية، وُزعت بطريقة استراتيجية بواقع (16) كاميرا ثابتة على المحاور والطرق الخارجية الرئيسية للمحافظة، بالإضافة إلى 4 كاميرات محمّلة على عجلات جوالة ودوريات متحركة لرصد المخالفات وتحقيق أعلى مستويات الانسيابية في السير.
كما كشفت الجهات المعنية عن خطة واعدة ومستمرة لتطوير المنظومة وزيادة عدد الكاميرات في أحد المحاور الحيوية، ليرتفع العدد الحالي من 1035 كاميرا إلى 1500 كاميرا ذكية، إلا أن هذه المرحلة المتقدمة تمر حاليًا بطور التعاقد الرسمي من قبل الحكومة المحلية، وبانتظار التخصيصات المالية النهائية للمباشرة الفورية بالتنفيذ الفعلي.
وسيلة مشروعة
وترى القانونية نجلاء طعمة الموسوي أن استخدام كاميرات المراقبة يُعد وسيلة مشروعة لتعزيز الأمن، سواء في الأماكن العامة أو داخل المنازل، شريطة أن يتم ذلك ضمن إطار قانوني واضح يحترم الحقوق والحريات الشخصية، فالأصل في الاستخدام هو المشروعية، لكنه يرتبط بضوابط أساسية تمنع تحوله إلى أداة لانتهاك الخصوصية.
وتؤكد أن أبرز الإشكاليات القانونية تظهر عند تجاوز حدود الغرض من الاستخدام، كالتصوير داخل الأماكن الخاصة أو تسجيل الأشخاص دون علمهم أو موافقتهم، خصوصًا إذا تضمن ذلك تسجيلًا صوتيًا، إذ إن القوانين العراقية تجرّم هذا الفعل في حال تم دون إذن داخل الفضاءات الخاصة.
كما تشير إلى أن مسؤولية المستخدم لا تقتصر على تركيب الكاميرا، بل تمتد إلى حماية البيانات المخزنة ومنع تسريبها أو إساءة استخدامها، لأن أي خرق في هذا الجانب قد يعرّض صاحبه للمساءلة القانونية.
وتضيف أن تحقيق التوازن بين الأمن والخصوصية يتطلب الالتزام بمبدأ الضرورة والتناسب، أي الاكتفاء بالمراقبة في الحدود التي تحقق الحماية دون التعدي على الحياة الخاصة، مع ضرورة إعلام الأفراد بوجود الكاميرات متى ما كان ذلك ممكنًا.
وتخلص الموسوي إلى أن الكاميرات تظل أداة قانونية ومفيدة، لكنها تفقد مشروعيتها إذا استُخدمت بشكل مفرط أو في غير محلها، مؤكدة أن الحماية الحقيقية لا تتحقق بالمراقبة المطلقة، بل باحترام القانون وصون كرامة الإنسان وخصوصيته.
تقنية التلفزيون المغلق
لم تبدأ حكاية كاميرات المراقبة من الشوارع أو المحال التجارية، بل تعود بدايات أنظمتها المعروفة إلى ألمانيا عام (1942)، حيث شهدت إحدى أقدم تقنيات أنظمة التلفزيون المغلق لمتابعة إطلاق الصواريخ من مسافة آمنة، في منشأة اختبار بمدينة بينيمونده، ضمن جهود المهندس الألماني (فالتر بروخ). ومع مرور الوقت، انتقلت هذه التقنية من الاستخدامات العسكرية والصناعية إلى المجالات الأمنية والمدنية، لتصبح أداة حاضرة في حماية الممتلكات ومراقبة الأماكن العامة وتوثيق الحوادث.
وفي بريطانيا، اتسع استخدام الكاميرات في الشوارع ووسائل النقل والمنشآت التجارية، ولم يعد دورها مقتصرًا على مراقبة المكان لحظة وقوع الحادث، إذ أصبحت التسجيلات وسيلة تساعد المحققين على تحديد تحركات المشتبه بهم وتتبع المركبات والتحقق من إفادات الشهود وإعادة بناء التسلسل الزمني للجريمة.
وقد تسهم أيضًا في تحديد الأدلة والشهود أو استبعاد أشخاص من دائرة الاشتباه، فضلًا عن تقديم مادة مرئية يمكن الاستناد إليها في الإجراءات القضائية.
ومن الأمثلة على ذلك قضية مقتل عاملة بريطانية، إذ أسهمت تسجيلات كاميرات المراقبة في تتبع تحركات المتهم قبل مقتل الضحية وبعده، ومتابعته أثناء مغادرتها مكان عملها باتجاه محطة القطار.
ورغم أن الكاميرات لم توثق لحظة الاعتداء نفسها، فإن الصور المسجلة ساعدت المحققين على إعادة تركيب جزء مهم من الأحداث إلى جانب إفادات الشهود والأدلة الجنائية، وصولًا إلى إدانة المتهم. وتكشف هذه القضية أن قيمة الكاميرا لا تتوقف على تصوير الجريمة مباشرة، بل قد تكمن في توثيق التفاصيل المحيطة بها وربطها بأدلة أخرى.
ومع تطور التكنولوجيا، انتقلت أنظمة المراقبة من المشاهدة المباشرة المحدودة إلى التسجيل الرقمي والتخزين الإلكتروني والمتابعة عن بُعد، وصولًا إلى أنظمة حديثة تستطيع تحليل الصور والتنبيه إلى بعض الأنماط أو الأحداث، غير أن هذه التقنيات، على أهميتها، لا تغني عن التحقيق المهني، ولا تجعل التسجيل وحده دليلًا حاسمًا في كل قضية، إذ تعتمد قيمته على وضوح الصورة وسلامة حفظ التسجيل وإمكان التحقق من أصالته وارتباطه ببقية الأدلة.
وهكذا تحولت كاميرات المراقبة من وسيلة لمتابعة نشاط تقني خطر إلى شاهد بصري يمكن أن يساعد في كشف الحقيقة وحماية المجتمع، شريطة استخدامها وفق الضوابط القانونية واحترام خصوصية الأفراد.
مسؤولية كبيرة
ويوضح الشيخ مهدي الزجاجي الأحكام الشرعية المتعلقة باستخدام كاميرات المراقبة قائلًا:
لا يوجد في الأصل حكم شرعي يمنع استخدام كاميرات المراقبة بحد ذاتها، إذ إن الأصل فيها الجواز، خاصة إذا كان الهدف منها مشروعًا كحماية الممتلكات أو تأمين المنازل، فكثير من الناس يلجؤون إلى استخدامها بعد تعرضهم للسرقة أو الاعتداء، مثل سرقة السيارات أو الممتلكات الخاصة، وبالتالي يكون الغرض منها الوقاية والحفاظ على الأمن، إلا أن هذا الجواز مشروط بالنية وطريقة الاستخدام، فالكاميرا بحد ذاتها وسيلة، وحكمها يرتبط بكيفية توظيفها، فإذا استُخدمت لغرض غير مشروع كالتجسس على الآخرين أو انتهاك خصوصياتهم، فإنها تتحول إلى وسيلة محرمة، فكما أن الإناء الواحد يمكن أن يُستخدم لشرب الماء أو لشيء محرم، كذلك الكاميرات، فالعبرة ليست بالأداة، بل بما يُفعل بها.
وأضاف: فيما يتعلق بتوجيه الكاميرات نحو بيوت الجيران أو أماكنهم الخاصة دون علمهم، فهذا أمر غير جائز شرعًا، لما فيه من تعدٍّ واضح على الخصوصية واعتداء على حرمات الآخرين، وهو منهي عنه لما يسببه من أذى وانتهاك للأعراض.
أما بالنسبة لوضع كاميرات داخل محلات الملابس، فقد يلجأ بعض أصحاب المحلات إلى استخدامها لحماية بضائعهم من السرقة، خصوصًا في الحالات التي يصعب فيها التفتيش المباشر، وهذا جائز إذا كان الهدف حماية المال، بشرط ألا تُستخدم لمراقبة النساء أو انتهاك خصوصيتهن، خصوصًا داخل غرف القياس، حيث يكون ذلك محرمًا بشكل صريح.
وتابع الزجاجي: إن مسؤولية صاحب الكاميرا مسؤولية كبيرة، إذ يتحمل تبعات أي إساءة استخدام للتسجيلات، فإذا تم استغلالها في الابتزاز أو التهديد أو نشر ما يمس بكرامة الناس، فإن ذلك يُعد من المحرمات ويُحاسب عليه شرعًا وقانونًا، كونه يدخل في باب الاعتداء على الأعراض.
ويؤكد الشيخ أن الضابط الأساسي في استخدام هذه الوسائل هو الضمير والأخلاق، فحتى مع وجود الوسائل التقنية يبقى الرقيب الحقيقي هو وازع الإنسان الداخلي.
كما شدد على ضرورة أن يكون الشخص المسؤول عن مراقبة الكاميرات شخصًا موثوقًا يلتزم بالأمانة ولا يسيء استخدام ما يقع بين يديه من تسجيلات.
مسك الختام
بين هاجس الأمان وحق الخصوصية، تبقى كاميرات المراقبة سلاحًا ذا حدين، فهي درع يحمي من الجريمة، لكنها أيضًا قد تتحول إلى وسيلة انتهاك إن لم تُستخدم بوعي ومسؤولية، وفي ظل تطور التكنولوجيا تبقى الحاجة قائمة لوضع قوانين وضوابط واضحة تضمن التوازن بين أمن المجتمع وكرامة الأفراد.








اضافةتعليق
التعليقات