تخيّل أن ترى إنساناً ملقى على قارعة الطريق، ينزف، يطلب النجدة بصمته، بينما تتوقف السيارات من حوله للحظات ثم تمضي. تخيّل أنك تستطيع إنقاذه، وأن يدك تمتد إليه بدافع إنساني خالص، فتضعه في سيارتك وتنطلق به إلى أقرب مستشفى. لكن المفارقة القاسية تبدأ بعد ذلك: بدلاً من أن تُشكر لأنك أنقذت حياة، تجد نفسك متهماً بأنك أنت من دهسه، ومطلوباً للتحقيق، وربما خلف القضبان، لتبدأ رحلة شاقة بين أروقة القانون وضغوط العشيرة ومرارة الاتهام.
هذه ليست حكاية من نسج الخيال، بل هاجس قد يردع كثيرين عن تقديم المساعدة في لحظة يكون فيها الزمن فاصلاً بين الحياة والموت.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله أي منظومة قانونية أو اجتماعية هو أن تجعل الإنسان يخشى فعل الخير. فالإنسان الذي يرى مصاباً أمامه ينبغي أن يفكر في كيفية إنقاذه، لا في الأسئلة التي ستطارده بعد ذلك: ماذا لو مات في الطريق؟ ماذا لو اتُّهمت بدهسه؟ ماذا لو قال أحدهم إنني كنت السائق؟ ماذا لو تحولت مساعدتي إلى قضية؟ وماذا لو دخلت في مواجهة عشائرية لا علاقة لي بها؟ هنا لا تعود المشكلة مشكلة حادث مروري فحسب، بل تتحول إلى أزمة ثقة بين المواطن والقانون.
من حق عائلة الضحية أن تبحث عن الحقيقة، ومن حقها أن تطالب بالعدالة، وهذا أمر لا خلاف عليه. لكن العدالة لا تعني أن يتحول كل من اقترب من المصاب إلى متهم، ولا أن يصبح الشخص الذي مد يده لإنقاذ إنسان معرضاً لخطر الموت، هدفاً سهلاً للشك والاتهام.
والأشد إيلاماً أن الخوف قد يدفع البعض إلى اتخاذ القرار الأكثر قسوة: أن يمر بجانب المصاب دون أن يتوقف.
أي مجتمع هذا الذي يصل فيه الإنسان إلى قناعة بأن ترك الجريح على الأرض أكثر أماناً من نقله إلى المستشفى؟ إنها لحظة ينبغي أن نتوقف عندها طويلاً.
القانون في جوهره وُجد لحماية الإنسان، لا لترهيبه من ممارسة واجبه الأخلاقي. ولذلك فإن الحاجة تبدو ملحة إلى تشريع واضح وصريح يمنح حماية قانونية للمواطن الذي يبادر، بحسن نية، إلى إسعاف مصاب في حادث، ما لم تثبت بحقه أدلة مستقلة وموثوقة على ارتكاب الجريمة.
نحن لا نتحدث عن منح حصانة مطلقة لمن يرتكب جريمة ثم يدّعي أنه مسعف، ولا عن تعطيل حق الضحية وعائلته في التقاضي، وإنما عن وضع ضوابط قانونية تميز بوضوح بين الجاني الذي يحاول الإفلات من المسؤولية، والمسعف الذي يحاول إنقاذ حياة.
يمكن للدولة أن تضع آلية تحفظ حقوق الجميع: توثيق موقع الحادث، تسجيل بيانات أول شخص يقدم المساعدة، الاعتماد على كاميرات المراقبة والشهود والأدلة الفنية، وإجراء التحقيق بعيداً عن الضغط والانفعال. وبذلك يصبح الدليل هو الفيصل، لا مجرد الاشتباه.
أما الجانب العشائري، فهو أكثر حساسية. عندما يجد المسعف نفسه بين مطرقة الإجراءات القانونية وسندان المطالبات العشائرية، فإن الموقف يتحول من حادث إلى محنة. وقد يشعر المواطن أنه إن ساعد، خسر أمنه وحريته، وإن لم يساعد، خسر إنسانيته وضميره. وهنا تقع المسؤولية الكبرى على عاتق الدولة.
الدولة القوية ليست التي تعاقب بعد وقوع المأساة فقط، وإنما التي تمنع الخوف من صناعة مأساة جديدة. عليها أن تقول للمواطن بوضوح: إذا رأيت إنساناً يحتضر، فلا تخف من إنقاذه؛ فالقانون سيحميك ما دمت بريئاً وتصرفت بحسن نية.
إن حماية المسعف ليست امتيازاً لشخص بعينه، بل حماية لفكرة إنسانية عظيمة اسمها «إنقاذ الحياة».
فاليوم قد يكون المصاب شخصاً لا نعرفه، وغداً قد يكون أباً أو أخاً أو ابناً لأحدنا. واليوم قد يكون المسعف غريباً، وغداً قد نكون نحن بحاجة إلى يده.
لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح بقوة ليس: لماذا توقف هذا المواطن ونقل المصاب؟
بل: لماذا جعلناه يخاف من أن يتوقف؟
إنقاذ الإنسان يجب ألا يكون مغامرة قانونية، ولا مخاطرة عشائرية، ولا سبباً لدخول السجن. وعندما يصبح الطريق إلى المستشفى آمناً للمصاب والمسعف معاً، نكون قد انتصرنا ليس في معركة قانونية فقط، بل في معركة أعمق: معركة الحفاظ على إنسانيتنا.
فالمجتمع الذي يخاف فيه الناس من إنقاذ بعضهم بعضاً، يحتاج إلى إنقاذ هو الآخر.








اضافةتعليق
التعليقات