• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

من ينقذ المسعف؟

هدى الشمري / منذ 10 ساعة / حقوق / 261
شارك الموضوع :

المجتمع الذي يخاف فيه الناس من إنقاذ بعضهم بعضاً، يحتاج إلى إنقاذ هو الآخر

تخيّل أن ترى إنساناً ملقى على قارعة الطريق، ينزف، يطلب النجدة بصمته، بينما تتوقف السيارات من حوله للحظات ثم تمضي. تخيّل أنك تستطيع إنقاذه، وأن يدك تمتد إليه بدافع إنساني خالص، فتضعه في سيارتك وتنطلق به إلى أقرب مستشفى. لكن المفارقة القاسية تبدأ بعد ذلك: بدلاً من أن تُشكر لأنك أنقذت حياة، تجد نفسك متهماً بأنك أنت من دهسه، ومطلوباً للتحقيق، وربما خلف القضبان، لتبدأ رحلة شاقة بين أروقة القانون وضغوط العشيرة ومرارة الاتهام.

هذه ليست حكاية من نسج الخيال، بل هاجس قد يردع كثيرين عن تقديم المساعدة في لحظة يكون فيها الزمن فاصلاً بين الحياة والموت.

إن أخطر ما يمكن أن تفعله أي منظومة قانونية أو اجتماعية هو أن تجعل الإنسان يخشى فعل الخير. فالإنسان الذي يرى مصاباً أمامه ينبغي أن يفكر في كيفية إنقاذه، لا في الأسئلة التي ستطارده بعد ذلك: ماذا لو مات في الطريق؟ ماذا لو اتُّهمت بدهسه؟ ماذا لو قال أحدهم إنني كنت السائق؟ ماذا لو تحولت مساعدتي إلى قضية؟ وماذا لو دخلت في مواجهة عشائرية لا علاقة لي بها؟ هنا لا تعود المشكلة مشكلة حادث مروري فحسب، بل تتحول إلى أزمة ثقة بين المواطن والقانون.

من حق عائلة الضحية أن تبحث عن الحقيقة، ومن حقها أن تطالب بالعدالة، وهذا أمر لا خلاف عليه. لكن العدالة لا تعني أن يتحول كل من اقترب من المصاب إلى متهم، ولا أن يصبح الشخص الذي مد يده لإنقاذ إنسان معرضاً لخطر الموت، هدفاً سهلاً للشك والاتهام.

والأشد إيلاماً أن الخوف قد يدفع البعض إلى اتخاذ القرار الأكثر قسوة: أن يمر بجانب المصاب دون أن يتوقف.

أي مجتمع هذا الذي يصل فيه الإنسان إلى قناعة بأن ترك الجريح على الأرض أكثر أماناً من نقله إلى المستشفى؟ إنها لحظة ينبغي أن نتوقف عندها طويلاً.

القانون في جوهره وُجد لحماية الإنسان، لا لترهيبه من ممارسة واجبه الأخلاقي. ولذلك فإن الحاجة تبدو ملحة إلى تشريع واضح وصريح يمنح حماية قانونية للمواطن الذي يبادر، بحسن نية، إلى إسعاف مصاب في حادث، ما لم تثبت بحقه أدلة مستقلة وموثوقة على ارتكاب الجريمة.

نحن لا نتحدث عن منح حصانة مطلقة لمن يرتكب جريمة ثم يدّعي أنه مسعف، ولا عن تعطيل حق الضحية وعائلته في التقاضي، وإنما عن وضع ضوابط قانونية تميز بوضوح بين الجاني الذي يحاول الإفلات من المسؤولية، والمسعف الذي يحاول إنقاذ حياة.

يمكن للدولة أن تضع آلية تحفظ حقوق الجميع: توثيق موقع الحادث، تسجيل بيانات أول شخص يقدم المساعدة، الاعتماد على كاميرات المراقبة والشهود والأدلة الفنية، وإجراء التحقيق بعيداً عن الضغط والانفعال. وبذلك يصبح الدليل هو الفيصل، لا مجرد الاشتباه.

أما الجانب العشائري، فهو أكثر حساسية. عندما يجد المسعف نفسه بين مطرقة الإجراءات القانونية وسندان المطالبات العشائرية، فإن الموقف يتحول من حادث إلى محنة. وقد يشعر المواطن أنه إن ساعد، خسر أمنه وحريته، وإن لم يساعد، خسر إنسانيته وضميره. وهنا تقع المسؤولية الكبرى على عاتق الدولة.

الدولة القوية ليست التي تعاقب بعد وقوع المأساة فقط، وإنما التي تمنع الخوف من صناعة مأساة جديدة. عليها أن تقول للمواطن بوضوح: إذا رأيت إنساناً يحتضر، فلا تخف من إنقاذه؛ فالقانون سيحميك ما دمت بريئاً وتصرفت بحسن نية.

إن حماية المسعف ليست امتيازاً لشخص بعينه، بل حماية لفكرة إنسانية عظيمة اسمها «إنقاذ الحياة».

فاليوم قد يكون المصاب شخصاً لا نعرفه، وغداً قد يكون أباً أو أخاً أو ابناً لأحدنا. واليوم قد يكون المسعف غريباً، وغداً قد نكون نحن بحاجة إلى يده.

لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح بقوة ليس: لماذا توقف هذا المواطن ونقل المصاب؟

بل: لماذا جعلناه يخاف من أن يتوقف؟

إنقاذ الإنسان يجب ألا يكون مغامرة قانونية، ولا مخاطرة عشائرية، ولا سبباً لدخول السجن. وعندما يصبح الطريق إلى المستشفى آمناً للمصاب والمسعف معاً، نكون قد انتصرنا ليس في معركة قانونية فقط، بل في معركة أعمق: معركة الحفاظ على إنسانيتنا.

فالمجتمع الذي يخاف فيه الناس من إنقاذ بعضهم بعضاً، يحتاج إلى إنقاذ هو الآخر.

الاخلاق
الوعي
القانون
القيم
المجتمع
الفكر
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    الأثنين 31 آب 2026/
    حين يصبح التأخر تهمة

    حين يصبح التأخر تهمة

    الثلاثاء 25 آب 2026/
    الأسرة التي تصنع الأبطال: قراءة تربوية في بيت الإمام الحسين

    الأسرة التي تصنع الأبطال: قراءة تربوية في بيت الإمام الحسين

    الأحد 09 آب 2026/
    نِداء اليقين

    نِداء اليقين

    الخميس 16 تموز 2026/
    العباس وإدارة الأزمات: حين تتحول القيم إلى بوصلة في قلب العاصفة

    العباس وإدارة الأزمات: حين تتحول القيم إلى بوصلة في قلب العاصفة

    الأربعاء 01 تموز 2026/
    محرّم... موسم مراجعة الذات وتجديد العهد

    محرّم... موسم مراجعة الذات وتجديد العهد

    الثلاثاء 23 حزيران 2026/

    آخر الاضافات

    من ينقذ المسعف؟

    حين تفسد البيئة: العقل بوصفه وسيلة للنجاة

    جمال العقل: كيف نصنع قيمتنا بالتفكير والمعرفة؟

    دراسة حديثة: الفاكهة الكاملة تحمي القلب أفضل من عصائرها

    من العدالة إلى النرجسية: التشريح النفسي للنسوية الحديثة

    دائرة الخوف المغلقة.. كيف تشترك أربعة مكونات حيوية ونفسية في صناعة القلق؟

    دليل اللقاحات الموسمية لمواجهة الفيروسات التنفسية: التوصيات والفئات المستهدفة

    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    آخر القراءات

    كيف تحمي طفلك من التصرف العدواني؟

    النشر : الثلاثاء 21 آيار 2024
    اخر قراءة : منذ 3 دقائق

    الاسرة.. نغمة الحياة العذبة

    النشر : السبت 08 شباط 2020
    اخر قراءة : منذ 3 دقائق

    أهلا دوام.. خطوات مهمة لاستعداد الطلاب للمدرسة

    النشر : الثلاثاء 03 ايلول 2019
    اخر قراءة : منذ 3 دقائق

    لماذا يستر الله ذنوبنا ولا يفضحنا في الدنيا؟

    النشر : الخميس 02 نيسان 2020
    اخر قراءة : منذ 3 دقائق

    التقيت بعمري

    النشر : السبت 18 آذار 2017
    اخر قراءة : منذ 3 دقائق

    بيئتك الداخلية: طهري روحك من القلق والضغط النفسي

    النشر : السبت 19 حزيران 2021
    اخر قراءة : منذ 3 دقائق

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1164 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 399 مشاهدات

    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    • 357 مشاهدات

    الذكاء الاصطناعي يتنبأ بفائزي نوبل 2026.. اتفاق في الطب والأدب وخلاف حول السلام

    • 354 مشاهدات

    التضخم والصحة النفسية للشباب.. حين يتحول غلاء المعيشة إلى ضغط نفسي مزمن

    • 336 مشاهدات

    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟

    • 333 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1164 مشاهدات

    لماذا تملّ القلوب؟ قراءة نفسية وتربوية في حكمة علوية

    • 798 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 569 مشاهدات

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 556 مشاهدات

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    • 543 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري… دروسٌ في صناعة المنتظر

    • 520 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    من ينقذ المسعف؟
    • منذ 10 ساعة
    حين تفسد البيئة: العقل بوصفه وسيلة للنجاة
    • منذ 10 ساعة
    جمال العقل: كيف نصنع قيمتنا بالتفكير والمعرفة؟
    • منذ 10 ساعة
    دراسة حديثة: الفاكهة الكاملة تحمي القلب أفضل من عصائرها
    • منذ 10 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة