ليس الإنسان مجموعةً ثابتة من الصفات التي وُضعت فيه مرةً واحدة ثم أُغلقت أبوابها. نحن كائنات تتشكل باستمرار، وكل موقف نعيشه يترك أثرًا، وكل قرار نتخذه يضيف سطرًا جديدًا إلى شخصيتنا. وربما لهذا تبدو بعض الصفات كأنها تلد نفسها بنفسها؛ فالشجاعة تستدعي شجاعة أخرى، والجبن يفتح الطريق أمام جبن جديد، والتردد لا يكتفي بتأخير القرار، بل يجعل القرارات القادمة أكثر صعوبة. كأن الإنسان يحمل داخله بذورًا، وما يختار أن يسقيه اليوم، سيجده غدًا أكثر رسوخًا.
فالصفات تخلق مثيلاتها. الشجاعة، مثلًا، لا تبدأ دائمًا من قلب خالٍ من الخوف. قد تبدأ من خطوة صغيرة اتخذها إنسان خائف. أن تقول الحقيقة رغم ارتباكك، أن تواجه موقفًا كنت تهرب منه، أن ترفض ظلمًا اعتدت الصمت أمامه؛ كل ذلك يبدو في لحظته فعلًا منفردًا، لكنه لا يبقى منفردًا. التجربة تخزن نفسها في الذاكرة، ثم تعود في المرة التالية كدليل داخلي يقول: «لقد فعلتها من قبل، ويمكنك أن تفعلها مرة أخرى».
وهكذا تولد الشجاعة من الشجاعة. أتذكر موقفًا مررت به، كنت فيه أمام أمر جديد أخاف أن أفشل فيه. لم يكن خوفي من المهمة نفسها بقدر ما كان خوفي من نظرة الآخرين إليّ إذا لم أكن على قدرها. كنت أبحث عن عذر للتراجع، وأقول لنفسي إنني ربما لست مستعدة، وإن هناك من هو أفضل مني، وإن التأجيل قد يكون أكثر أمانًا. كان بإمكاني أن أختار الطريق الأسهل: أن أتراجع وأقنع نفسي بأن الفرصة لم تكن مناسبة.
لكنني في لحظة صغيرة قررت أن أفعلها رغم خوفي. لم أصبح فجأةً شخصًا لا يخاف، ولم تختفِ الأسئلة من رأسي، ولم أكن واثقة من النتيجة. كل ما تغيّر أنني رفضت أن أجعل خوفي يقرر عني. بدأت، وتعثرت، وتعلمت، ثم أكملت. وعندما انتهى الأمر، لم تكن المفاجأة أنني نجحت فقط؛ كانت المفاجأة الأكبر أنني اكتشفت أن صورتي عن نفسي كانت أضعف من حقيقتي.
ومنذ ذلك اليوم فهمت شيئًا لم أكن أفهمه من قبل: أحيانًا لا نحتاج إلى أن نؤمن بأنفسنا أولًا كي نبدأ، بل نحتاج أن نبدأ حتى يصبح لدينا سبب حقيقي للإيمان بأنفسنا.
وعلى الجانب الآخر، يعمل الجبن بالطريقة نفسها، ولكن في الاتجاه المعاكس.
قد يهرب الإنسان مرة لأن المواجهة كانت مؤلمة، فيشعر براحة مؤقتة. ثم يتعلم عقله درسًا خطيرًا: «الهروب يحميني». وعندما تتكرر المواجهة، يهرب مرة أخرى، لا لأن الموقف الثاني أخطر، بل لأن ذاكرته أصبحت مرتبطة بالنجاة من خلال الانسحاب. ومع الوقت، يتحول ما كان قرارًا إلى عادة، وما كان عادة إلى طبع، وما كان طبعًا إلى اعتقاد راسخ عن الذات.
وهنا تكمن خطورة الجبن: أنه لا يكتفي بمنعنا من فعل شيء، بل يقنعنا تدريجيًا بأننا غير قادرين على فعله.
والتردد أكثر خفاءً من الجبن؛ لأنه يستطيع أن يرتدي ثياب الحكمة. قد نظن أننا نتأنى، بينما نحن في الحقيقة نهرب من مسؤولية الاختيار. نؤجل القرار حتى يصبح التأجيل قرارًا بحد ذاته. نفكر في كل الاحتمالات، ونخشى كل النتائج، وننتظر اللحظة التي لا يكون فيها أي احتمال للخسارة، ثم نكتشف أن الحياة لا تمنح مثل هذه اللحظة.
التردد الذي يتكرر لا يبقى ترددًا؛ يصبح طريقة في النظر إلى الحياة. أما الحسم، فهو كذلك لا يولد كاملًا. يبدأ بقرار صغير: أن تختار بدل أن تبقى عالقًا بين الخيارات، وأن تتحمل نتيجة اختيارك بدل أن تعيش أسيرًا لاحتمالات لا تنتهي. ومع كل قرار تحسمه، يتعلم عقلك أنك قادر على الاختيار وتحمل النتائج. لذلك يصبح الحسم أسهل، لا لأن الحياة أصبحت أبسط، وإنما لأنك أصبحت أكثر استعدادًا لمواجهتها.
لكن الحسم لا يعني الاندفاع، كما أن الشجاعة لا تعني التهور. الإنسان الحكيم لا يخلط بين القوة وبين غياب التفكير. هناك فرق بين أن تتردد لأنك لا تعرف ماذا تريد، وأن تتأنى لأنك تريد أن تفهم. الفرق أن التأني ينتهي إلى قرار، أما التردد فيظل يدور حول نفسه.
إن الإنسان، في جانب كبير من حياته، هو نتيجة لما يكرره.
نحن لا نصبح رحماء لأننا تمنينا الرحمة، بل لأننا مارسناها. ولا نصبح صادقين لأننا نحب صورة الصدق، بل لأننا اخترنا الحقيقة في اللحظات التي كان الكذب فيها أسهل. ولا نصبح أقوياء لأننا أقنعنا الآخرين بقوتنا، بل لأننا وقفنا مرات عديدة بعد السقوط.
ولهذا، فإن كل صفة نمارسها اليوم تضع حجرًا في شخصية الغد.
إذا كررت الانسحاب، فأنت لا تنسحب من الموقف فقط؛ أنت تدرب نفسك على الانسحاب. وإذا كررت المواجهة، فأنت لا تواجه المشكلة وحدها؛ أنت تبني في داخلك شخصًا أكثر قدرة على المواجهة. وإذا اعتدت أن تؤجل حياتك حتى تصبح الظروف مثالية، فقد تستيقظ يومًا لتجد أنك أمضيت سنواتك تنتظر حياة لم تأتِ.
ولعل السؤال الأهم ليس: «ما صفاتي؟» بل: «أي صفات أدرّبها في نفسي كل يوم؟»
لأننا كثيرًا ما نتعامل مع شخصياتنا وكأنها قدر لا يمكن تغييره، بينما الحقيقة أن جزءًا كبيرًا منها يتشكل من اختيارات صغيرة متكررة. أنت لا تستطيع تغيير كل ما حدث لك، ولا تملك السيطرة على كل ما سيحدث، لكنك تملك قدرًا مهمًا من السلطة على ما تكرره.
فانتبه لما تمنحه من غذاء لروحك. امنح الشجاعة موقفًا جديدًا، وستمنحك موقفًا آخر. امنح الحسم فرصة، وسيصبح القرار أقل رعبًا. قاوم التردد مرة، وستعرف أن الخوف لا يملك دائمًا الكلمة الأخيرة.
فالإنسان لا يكتشف شخصيته فقط؛ إنه يصنعها كل يوم، من خلال الصفات التي يختار أن يكررها. وما نكرره طويلًا، لا يبقى فعلًا نفعله... بل يصبح شيئًا من نحن.








اضافةتعليق
التعليقات