هناك بعض النصائح يقدمها (جيف زيمناسكي) من المؤسسة العالمية للوسواس القهري للتعامل مع الكمالية:
1 - اختر أولويات الكمالية:
إن وضع معايير عالية في كل أمور حياتك هو أمر لا يمكن التعايش معه، فالحل إذاً أن ترتب أولوياتك، وتضع معايير عالية مع الشيء الأكثر أهمية لك في حياتك. وهناك نصيحة دائماً تقال في التعلم:
"You have to know something about everything and everything about something"
(عليك أن تتعلم شيئاً عن كل شيء، وكل شيء عن شيء).
أي إنك يجب أن تكون منفتحاً على العالم من حولك، فتأخذ بحظك من المعرفة ومتابعة ما حولك، فتتعلم شيئاً بسيطاً عن العلوم والتاريخ والفلك والفن والأدب وسائر المجالات، تعرف عنها معلومات بسيطة تتخلص بها من جهلك بها، وفي الوقت نفسه عليك أن تعرف كل شيء عن مجال معين أو التخصص الذي تعمل فيه، لتكون متمرساً متمكناً، وتحقق فيه ذاتك. فإذا قلنا مثلاً إنك طبيب مختص بالجراحة، فإن عليك أن تكون متابعاً للفنون وشيئاً من أخبارها، وأن تطالع بعض كتب التاريخ المبسطة، وأن تعرف شيئاً عن العلوم في المجالات المغايرة لتخصصك، وأن تتفقه ولو في أساسيات دينك، وبجوار ذلك تكون ملماً بكل ما يمكنك عن مجال تخصصك في الجراحة، واعياً بكل جديد في مجالك، ملماً بكل ما يختص به.
ولذلك فإني أنصحك بتطبيق هذه النصيحة يا صديقي في حياتك، بأن ترتب أولوياتك وتختار ما تبذل فيه مجهودك بعناية.
2 - جَرِّب:
الشخص الذي يسعى للكمال لا يتقبل أبداً الخطأ، وينظر للأمور بتوتر طوال الوقت؛ فإما أن أنجح وإما أنا فاشل غبي ليس لي قيمة!
والحل لهذه المشكلة أن تعطي المساحة للتجربة والخطأ، وتستمتع بنجاح الرحلة وإخفاقاتها، وتتعلم من الخطأ لتصحيحه. فإن التجربة هي أساس التفكير العلمي والمنهجي، وهي الطريق الوحيد للوصول إلى النتائج، وأعتقد أنك سمعت بما فعله العلماء الخالدون من خلال تجاربهم التي تعرضت أغلبها للفشل في بدايتها، فلا يمكن الوصول إلى النتائج المرجوة إلا عن طريق المحاولة مرة بعد مرة. بل وإن واحدة من أهم نظريات التعلم التي أسسها علم النفس هي "نظرية التعلم بالتجربة والخطأ"، وهي نظرية أسسها عالم النفس "ثورنديك" وما زالت تمثل واحدة من أهم النظريات التي تُستخدم للتعلم في كل مدارس وجامعات العالم. فمن خلال التجربة والخطأ نتعلم، ومن خلال إخفاقنا نصل إلى النجاح والتحقق.
3 - كافئ نفسك:
كافئها حتى على الإنجازات غير المكتملة. سلم مشروعك في وقته حتى لو لم تره كاملاً، حتى لو ينقصه الكثير، كافئ نفسك على إنجازاتك حتى لو رأيتها صغيرة لا قيمة لها.
إن نظرية التعلم بالتجربة والخطأ، التي تحدثنا عنها في الفقرة السابقة، تعتمد على المكافأة. فقد تم إجراؤها على قط حبيس في قفص، وضع له الباحث باباً مغلقاً بسقاطة، وعن طريق محاولات القط للخروج مرة بعد مرة، استطاع بعد كثير من المحاولات الخاطئة أن يصل إلى معرفة مكان السقاطة، وبمجرد لمسها انفتح له الباب وخرج من القفص، فكان في انتظاره مكافأة أعدها له الباحث وهي قطعة من اللحم. ولولا هذه المكافأة لم يكن القط ليحاول الخروج بعزم حتى نجح. وهذا نفسه ما يحدث معنا، فعندما نعد أنفسنا بالمكافأة على الجهد المبذول فإن هذا بحد ذاته يساعدنا على بذل النشاط وتحقيق الأهداف بصورة معقولة، ولذلك عليك أن تكافئ نفسك على كل إنجاز مهما كان صغيراً في رأيك.
4 - اجتهد بذكاء:
ليست العبرة فقط في بذل الجهد، لكن العبرة في اختيار ما تبذل فيه جهدك. الكمالية تطالبك دوماً بالمزيد من العمل حتى لو على حساب صحتك ونومك وتركيزك، فتقل جودة إنجازك وتضعف عن العمل، وبالرغم من ذلك لا تتوقف. فالعبرة ليست في بذل الجهد ولكن في تقسيم الجهد على الأولويات، والموازنة بين نفسك واجتهادك.
وهذا ينقلنا للسبب الثالث من أسباب جلد الذات وهو المعتقدات الراسخة.
ثالثاً: المعتقدات الراسخة
نحن نتاج ما تعرضنا له منذ ولادتنا؛ رؤيتنا لأنفسنا وتقبلنا لها أو رفضها، الصوت الداخلي الذي نتحدث به عن أنفسنا، غالباً كل هذا نتاج المعتقدات التي كوناها عن أنفسنا وترسخت على مدار السنين. ما الذي يجعل إنساناً لا يشعر بقيمته ويزدري نفسه؟ ما الذي يدفع الإنسان للتساؤل إن كان يستحق الحب أم لا؟ ليس لأنه يرى ذلك، بل لأنه تَكوَّن عنده في موقف أو عدة مواقف حكمٌ على نفسه، ثم أثبت هذا الحكم واستسلم له، ولم يحاول مجادلته أو تغييره.
أحد المعالجين النفسيين يحكي عن مريضة له أنه حدث موقف بينها وبين مديرها، وانتقدها في شيء ما، فشعرت هذه الفتاة أنها ليست جديرة بالعمل وأنها فاشلة وليس لها أي قيمة. لم تُقَيِّم الموقف لترى حجم الخطأ، بالتأكيد خطأ واحد لا يعني أن الشخص ليس جديرًا وأنه ضعيف، لكن لم تكن المشكلة في هذا الخطأ بل في نظرتها لنفسها، في المعتقد الراسخ الذي كونته وآمنت به عن نفسها فصارت ترجع كل شيء إليه دون تساؤل.
أخذ المعالج يسألها عن سبب إحساسها بهذا الشعور، فلم تعرف.
فسألها: «متى كانت أول مرة شعرتِ بهذا؟»، بالطبع لم تتذكر، ولكن مع الوقت والسؤال بدأت تتذكر. أول مشهد تبادر لذهنها كان عندما كانت في المدرسة الابتدائية، وبعد ظهور نتيجتها بدأت الأم تلومها على هذه النتيجة.
إنها تتذكر المشهد بتفاصيله: الأم الغاضبة، شعورها بالضيق، ثم رؤيتها لنفسها أنها فاشلة وليس لها قيمة. لقد أحست بهذا وأصدرت هذا الحكم على نفسها واقتنعت به وظل ملازماً لها.
يسأل المعالج: «هل ترين هذا الموقف الآن وتشعرين بشعور حزن هذه الصغيرة؟»
ترد: «نعم، أشعر بذلك».
المعالج: «ما الذي تفكر فيه هذه الصغيرة؟»
ترد: «أنا فاشلة ليس لي قيمة».
المعالج: «إذا أتيحت لك الفرصة للتحدث مع هذه الصغيرة، ماذا ستقولين لها؟»
ترد: «لم يكن هذا فشلاً، لا ينبغي لك أن تحكمي على نفسك وأنت صغيرة، ما زال هناك العديد من الفرص».
المعتقدات الراسخة عن النفس تصبح مُصَدَّقة بشكل شبه دائم، لا مجال للتشكيك فيها عند أغلب الأشخاص، لكن هذه المعتقدات ليست بالضرورة صحيحة، ويمكنك مراجعتها دوماً لفهم من أين أتت، وهل هي صحيحة فعلاً؟ هل هناك دليل يثبت هذا الادعاء الكبير بأني فاشل، أو لا أستحق الحب؟
لا بد أن نراجع أحكامنا على أنفسنا، ولا نستسلم لأوهام تراكمت بداخلنا على مر السنوات، واستقرت في اللاوعي، ثم أمسكت زمام القيادة، فصارت هذه الأوهام توجه سلوكنا وتنغص حياتنا وتفقدنا ثقتنا بأنفسنا. وكل ما علينا أن نتوقف قليلاً وأن نغوص داخل أنفسنا، وهو ما يسميه علماء النفس منهج «الاستبطان»، فهو رحلة من الفرد داخل نفسه، داخل باطنه، ليستخرج عقده القديمة ويطرحها أمام عينيه، ويفكر فيها ويناقشها، وحينها يستطيع أن يدرك أنه كان يبالغ كثيراً في أحكامه، وأن أغلب معتقداته عن نفسه ما هي إلا مجموعة من الأوهام تكونت منذ الصغر وتراكمت على مدار السنوات حتى استسلم لها الفرد وظن أنها حقائق لا تقبل التشكيك، لكنه ومع قليل من التفكير سيجد أنها لا أصل لها. وتلك هي لحظة الكشف، وساعتها يستطيع أن يستعيد ثقته بنفسه، وتخفيف أحكامه المجحفة عليها، وبذلك يمكنه قبول ذاته وبالتالي قبول عالمه من حوله.








اضافةتعليق
التعليقات