ليست هذه جملة تحفيزيّة عابرة، بل قانون خفيّ يحكم علاقتنا بالحياة، ويشكّل ملامح وعينا دون أن نشعر. فالعقل لا يعيش الأحداث كما هي، بل كما يراها، ويعيد إنتاجها داخله مرارًا حتى تتحوّل الفكرة إلى شعور، ثم إلى موقف، ثم إلى أسلوب حياة كامل.
حين نُعلّق وعينا بما فاتنا، ونظلّ نُحصي خساراتنا كما لو كانت سجلًّا مفتوحًا لا يُغلق، يبدأ الداخل بالضيق، لا لأنّ الحياة ازدادت قسوة، بل لأنّنا ضيّقنا زاوية النظر. فالتركيز المستمر على النقص لا يُنتج وعيًا ناقدًا، بل يُنتج روحًا مُنهكة ترى العالم من ثقب الخسارة فقط.
نعم، الحياة ليست كاملة، ولم تكن يومًا كذلك. فيها الانكسار كما فيها العطاء، وفيها الفقد كما فيها الامتداد. لكنّ الخطأ ليس في وجود هذه الازدواجيّة، بل في اختزال الحياة في جانبٍ واحد منها. فالإنسان حين يختار أن يرى الألم وحده، يُعلن – دون وعي – حربًا على نفسه، لا على الظروف.
الغريب أنّنا نطالب الحياة بالعدل المطلق، بينما نمارس الظلم على ذواتنا. نُحمّل اللحظات العابرة أكثر مما تحتمل، ونُسقط على الواقع توقّعاتٍ مثاليّة لم تُخلق أصلًا لتتحقّق. وعندما تخيب هذه التوقّعات، نُفسّر الخيبة وكأنّها مؤامرة كونيّة، لا نتيجة طبيعية لفهمٍ قاصر لطبيعة الوجود.
لكنّ التحوّل الحقيقي لا يبدأ من الخارج، بل من إعادة توجيه الانتباه. حين نُغيّر زاوية النظر، لا تتبدّل الوقائع بالضرورة، إنما يتبدّل معناها. وما الفرق بين حياةٍ تُشعرك بالاختناق، وأخرى تمنحك الطمأنينة، إن لم يكن الفرق في الطريقة التي تقرأ بها تفاصيلها؟
الانتباه لما نملك لا يعني إنكار ما فقدناه، بل يعني رفض أن يكون الفقد هو السيّد المطلق لمشهدنا الداخلي. فهناك مواهب نغفل عنها لأنّنا مشغولون بما لم يتحقّق، ونِعَم صغيرة تمرّ بنا يوميًا دون أن نلتفت، فقط لأنّها لم تأتِ بالحجم الذي كنّا ننتظره.
الطمأنينة، في حقيقتها، ليست حدثًا كبيرًا، بل وعيٌ هادئ. هي القدرة على إدراك أنّ ما بين يديك الآن – مهما بدا عاديًا – هو جزء من الرحلة، لا هامشًا فيها. وأنّ الفرص لا تختفي، بل تتغيّر أشكالها، وتنتظر عينًا مختلفة لتراها.
الحياة لا تقف ضدّنا، لكنها أيضًا لا تعمل لصالحنا بالمعنى الساذج الذي نتخيّله. هي مساحة اختبار، تُظهر ما فينا أكثر مما تُعطينا. فإن ركّزنا على العجز، كبر العجز فينا، وإن ركّزنا على الإمكان، بدأنا نراه في أبسط التفاصيل.
وهنا تكمن الحكمة الفلسفيّة: نحن لا نعيش الحياة كما هي، بل كما نسمح لها أن تعبر وعينا. لذلك، فإن تغيير النظرة ليس خداعًا للنفس، بل تصحيحًا للبوصلة. هو انتقال من عقلية الضحية إلى وعي المسؤولية، ومن اجترار الماضي إلى حضورٍ واعٍ في اللحظة.
الحياة لا تتغيّر كثيرًا، هذا صحيح. لكنّ الإنسان الذي ينضج داخليًا، يرى الأشياء بعينٍ أقل قسوة، وأكثر فهمًا. وحين يفهم، يهدأ. وحين يهدأ، لا تعود التقلبات تهدده، بل تُعلّمه.
في النهاية، ما تمنحه تركيزك يكبر، لا لأنّ الحياة تستجيب لرغباتك، بل لأنّك أنت من يمنح المعنى لما يحدث. فإن منحت وعيك للأمل، اتّسعت رؤيتك، وإن منحت انتباهك للامتنان، خفّ ثقل الطريق. وهكذا، دون أن تتغيّر الحياة كثيرًا، يتغيّر كلّ شيء.








اضافةتعليق
التعليقات