أقف اليوم في محراب حياتي، أحمل في يدي اليمنى شهادة الهندسة الكهربائية التي كانت ثمرة سهر وتعب، وفي يدي اليسرى مسؤولية الأمومة التي هي أعظم أمانة أودعها الله عندي، وبين هذا وذاك، التزام وظيفي يفرض عليّ الحضور الذهني والمهني الكامل.
لستُ بصدد الحديث عن أدوار منفصلة، بل عن كيان واحد، وصهرٍ فريد للمسؤوليات، أحاول من خلاله إيجاد نقطة الارتكاز التي تضمن استقرار منظومتي الكبرى دون خلل أو انطفاء.
إن دراستي للهندسة الكهربائية لم تكن مجرد عبور في ممر أكاديمي، بل كانت صياغة جديدة لعقلي وروحي.
لقد علمتني الدوائر الكهربائية أن أي نظام، مهما بلغ تعقيده، يحتاج إلى مسارات دقيقة وتوزيع عادل للأحمال ليعمل بكفاءة. واليوم، أطبق هذا المنطق الهندسي في تفاصيل يومي كأُم وموظفة فأنا لا أرى المهام المنزلية أو المتطلبات التربوية كفوضى تراكمية، بل أتعامل معها بعقلية تحليل النظم محاولةً جدولة الوقت وتفكيك الضغوط إلى وحدات صغيرة يمكن السيطرة عليها وإنجازها.
ومع ذلك، أدرك يقيناً أن التوازن ليس معادلة رياضية جامدة تعطي ذات النتائج دائماً، بل هو تيار متناوب يرتفع وينخفض بحسب معطيات الواقع. ففي بعض الأيام، تسرقني الوظيفة وتفاصيلها التقنية، فأشعر ببوصلتي تميل نحو الطموح المهني، وفي أيام أخرى، يكون احتضان طفلي أو سماع ضحكته هو المركز والغاية، فتميل الكفة نحو الأمومة.
لقد تعلمتُ أن أقبل هذا التذبذب وألا أسمح لشبح التقصير أن يطاردني، طالما أن الغاية النهائية هي الحفاظ على استمرارية التدفق والعطاء.
إن التحدي الأكبر الذي يواجهني كمهندسة وأم هو الحفاظ على المصدر ونقصد بالبشر الطاقة الروحية والجسدية.
لقد أيقنتُ أنني إذا استنزفتُ كل قوايا في العمل والمنزل دون تخصيص وقت للصيانة الذاتية، فإن المنظومة بأكملها ستتعرض للانهيار.
لذا، أصبح وقتي الخاص، ولو كان دقائق معدودة من التأمل أو القراءة، هو بمثابة التأريض الذي يفرغ شحنات التوتر الزائدة، ويمنحني القدرة على العودة من جديد بروح متقدة وذهن صافٍ.
أنا اليوم فخورة بهويتي المركبة؛ فكوني مهندسة يمنحني القوة والمنطق، وكوني موظفة يمنحني الاستقلال والنمو، وكوني أماً يمنحني الرحمة والدافع. إنني لا أسعى لأن أكون امرأة خارقة كما يروج البعض، بل أسعى لأن أكون امرأة متزنة، تدرك حدود طاقتها، وتحترم طموحها، وترى في تربية أبنائها مشروعها الهندسي الأسمى الذي لا يقبل الخطأ.
ختاماً، إن هذه الرحلة بين مسارات الطاقة ونبضات القلب هي التي تصقل ذاتي وتجعل لحياتي معنىً يتجاوز حدود الرتابة. سأبقى أخطط، وأبني، وأربي، مؤمنةً بأن المرأة التي تتقن فهم قوانين الكهرباء، قادرةٌ بفضل الله على إضاءة زوايا بيتها وقلوب أبنائها بوهج لا ينطفئ.



اضافةتعليق
التعليقات