• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

حين يتعلّم الضعف لغة القوة

سجى عبد الأمير الركابي / منذ 3 ساعة / تطوير / 232
شارك الموضوع :

أحيانًا لا تأتي القوة أولًا لكي تقود أفعالنا؛ بل تأتي أفعالنا أولًا، ثم تنمو القوة في أعقابها

ليست القوة الشخصية شيئًا يولد معنا مكتملًا، ولا صفة تُمنح للإنسان منذ اللحظة الأولى التي يفتح فيها عينيه على العالم. نحن لا نخرج إلى الحياة محصّنين ضد الخوف، ولا نمتلك منذ البداية القدرة على مواجهة الخسارة والرفض والفشل والخذلان. كثيرًا ما تبدأ حياتنا النفسية ونحن نبحث عن يد تمسك بنا، وصوت يطمئننا، ونظرة تؤكد لنا أننا قادرون على الاستمرار. ثم تأتي الحياة، لا لتخبرنا أننا أقوياء، بل لتضعنا أمام مواقف تجعلنا نكتشف ذلك بأنفسنا.

ومن هنا تبدو العبارة: «الممر الطبيعي إلى القوة الشخصية هو أن نتصرف كأننا أقوياء بالفعل» أكثر عمقًا مما تبدو عليه للوهلة الأولى. فهي لا تدعونا إلى التظاهر أو ارتداء قناع القوة، وإنما تشير إلى حقيقة نفسية وفلسفية: أحيانًا لا ننتظر أن نشعر بالقوة حتى نتصرف بقوة، بل نبدأ بالتصرف كما نريد، ثم يأتي الشعور لاحقًا ليلحق بالسلوك.

فالخوف، في كثير من الأحيان، لا يختفي قبل أن نواجهه؛ بل يضعف لأننا واجهناه.

هناك خطأ شائع في فهم القوة، وهو الاعتقاد بأن الإنسان القوي لا يخاف. والحقيقة أن القوة لا تعني غياب الخوف، وإنما تعني ألّا يصبح الخوف صاحب القرار. قد ترتجف يد الإنسان وهو يتخذ موقفًا شجاعًا، وقد يمتلئ قلبه بالقلق وهو يقول «لا»، وقد يبكي قبل أن يبدأ من جديد، ومع ذلك يكون أقوى من شخص لم يشعر بالخوف لأنه اختار أصلًا ألّا يقترب من أي شيء يمكن أن يهزّه.

القوة ليست أن تقول: «أنا لا أخاف»، بل أن تقول: «أخاف، ومع ذلك سأفعل ما ينبغي عليّ فعله.»

إن الإنسان يتعلم نفسه من خلال أفعاله. عندما يتراجع في كل مرة يشعر فيها بالخوف، يتعلم عقله أن الخوف يعني الخطر، وأن النجاة لا تكون إلا بالهروب. ومع مرور الوقت يصبح التراجع عادة، ثم تتحول العادة إلى شخصية، ثم يبدأ الإنسان في تعريف نفسه من خلالها: «أنا ضعيف»، «أنا لا أستطيع»، «أنا أخاف من المواجهة». وهكذا لا يعود الخوف مجرد شعور عابر، بل يصبح هوية.

لكن المعادلة يمكن أن تنقلب.

حين يقرر الإنسان، ولو بخطوات صغيرة، أن يتصرف بعكس ما يمليه عليه خوفه، فإنه يرسل إلى نفسه رسالة جديدة: أنا قادر على الاحتمال. وكل مرة يحافظ فيها على موقفه، أو يتحدث رغم ارتباكه، أو يبدأ رغم شكه، أو يضع حدًا لمن يتجاوزه، تتراكم داخله أدلة جديدة على قدرته. القوة هنا لا تأتي من فكرة جميلة يكررها أمام المرآة، وإنما من تجارب حقيقية عاشها وأثبت فيها لنفسه أنه يستطيع.

ولهذا، فإن التظاهر بالقوة لا ينبغي أن يعني خداع الآخرين، بل أحيانًا يعني أن تمنح نفسك فرصة لتصبح الشخص الذي تتمنى أن تكونه.

قد تدخل غرفة وأنت غير واثق من نفسك، لكنك ترفع رأسك وتتحدث بهدوء. قد تواجه قرارًا تخشاه، لكنك تتخذه بعد تفكير. قد تتعرض للفشل، لكنك ترفض أن تجعل الفشل تعريفًا لك. في كل هذه المواقف أنت لا تدّعي أنك شخص آخر؛ أنت تتدرّب على نسخة أكثر نضجًا منك.

واللافت أن الإنسان كثيرًا ما ينتظر «الإحساس المناسب» قبل أن يبدأ. ينتظر أن تزول رهبة الكلام، وأن تختفي الحيرة، وأن يصبح واثقًا تمامًا، وأن تأتي اللحظة التي يشعر فيها بأنه مستعد. لكنها لحظة قد لا تأتي أبدًا. الحياة لا تمنحنا دائمًا اليقين قبل الخطوة؛ أحيانًا لا نحصل على اليقين إلا بعد الخطوة.

إن الشخصية القوية تُبنى من القرارات الصغيرة التي لا يراها أحد: أن تفي بوعد قطعته لنفسك، أن تتوقف عن الاعتذار عن وجودك، أن تقول الحقيقة دون قسوة، أن تقبل رفض الآخرين دون أن تنهار صورتك عن ذاتك، أن تعترف بخطئك دون أن تعتبر الاعتراف هزيمة، وأن تنهض في اليوم التالي رغم أن الأمس ترك فيك ما يكفي من التعب.

القوة كذلك ليست سيطرة على الآخرين. الإنسان الذي يحتاج إلى إذلال غيره حتى يشعر بقيمته ليس قويًا، بل أسير لحاجته إلى إثبات نفسه. أما القوة الحقيقية فتمنح صاحبها قدرًا من الهدوء؛ لأنه لم يعد مضطرًا إلى الدخول في كل معركة كي يثبت أنه موجود.

وربما أجمل أشكال القوة أن يصبح الإنسان قادرًا على حماية نفسه دون أن يتحول إلى شخص قاسٍ، وأن يضع الحدود دون أن يفقد الرحمة، وأن يقول «لا» دون كراهية، وأن يغادر ما يؤذيه دون رغبة في الانتقام.

في النهاية، نحن لا نصبح أقوياء لأننا أقنعنا أنفسنا بأننا لا ننكسر، بل لأننا عرفنا أننا قد ننكسر، ومع ذلك نستطيع أن نعيد بناء أنفسنا.

لذلك قد يكون الطريق إلى القوة فعلًا يبدأ من التصرّف كأننا أقوياء، لكن ليس بمعنى التمثيل؛ بل بمعنى الممارسة. مارس الشجاعة قبل أن تشعر بها، مارس الثبات قبل أن يصبح سهلًا، مارس احترام ذاتك حتى تتعلم قيمتها. فالشخصية ليست شيئًا نكتشفه جاهزًا في أعماقنا؛ إنها شيء نصنعه، قرارًا بعد قرار.

وربما لا تكون القوة في النهاية صوتًا مرتفعًا، ولا ملامح صارمة، ولا قدرة على إخافة الآخرين. ربما تكون القوة أكثر هدوءًا من ذلك كله: أن تعرف من أنت، وأن تخاف، وأن تتألم، وأن تشك، ثم تختار رغم كل ذلك أن تمضي.  فأحيانًا لا تأتي القوة أولًا لكي تقود أفعالنا؛ بل تأتي أفعالنا أولًا، ثم تنمو القوة في أعقابها.

النجاح
التفكير
السلوك
الشخصية
القوة
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    استشهاد النبي محمد: قراءة فلسفية وتربوية في معنى الفقد واستمرار الرسالة

    استشهاد النبي محمد: قراءة فلسفية وتربوية في معنى الفقد واستمرار الرسالة

    الأربعاء 12 آب 2026/
    المسير إلى كربلاء: فلسفة الإنسان حين يتحول الإيمان إلى حضارة

    المسير إلى كربلاء: فلسفة الإنسان حين يتحول الإيمان إلى حضارة

    الخميس 06 آب 2026/
    الإمام الباقر… حين غاب نور العلم وبقي أثره خالدًا

    الإمام الباقر… حين غاب نور العلم وبقي أثره خالدًا

    الأثنين 25 آيار 2026/
    صيام الجوارح… حين يصوم القلب قبل الجسد

    صيام الجوارح… حين يصوم القلب قبل الجسد

    الأحد 01 آذار 2026/
    ما تمنحه تركيزك.. يكبر

    ما تمنحه تركيزك.. يكبر

    الثلاثاء 20 كانون الثاني 2026/
    رحلة نحو التميّز: كيف تصنع من الدراسة طريقاً إلى النجاح؟

    رحلة نحو التميّز: كيف تصنع من الدراسة طريقاً إلى النجاح؟

    الأحد 07 كانون الأول 2025/

    آخر الاضافات

    مع ولادة العفّة والحياء: السيدة زينب أنموذجًا للحجاب الإسلامي

    حين يتعلّم الضعف لغة القوة

    آثار الإفراط في البروتين: إشارات تحذيرية يجب الانتباه إليها

    المخدرات الرقمية.. بين الوعود الصوتية والحقيقة العلمية

    الحب بوابة التعلّم: كيف تؤثر لغة الوالدين في دافعية الطفل ونجاحه؟

    التخطيط الناجح يبدأ بعقولٍ تتشارك لا بقراراتٍ تنفرد

    الاكتئاب خلف قناع السعادة.. حين تخفي الابتسامة معاناة نفسية صامتة

    حين يصبح التضليل دستورًا

    آخر القراءات

    الأطعمة الحمراء.. لون مميز وفوائد كثيرة

    النشر : الأحد 23 آب 2020
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    ما سبب محدوية دور المرأة في مجال التكنولوجيا؟

    النشر : الأثنين 06 تموز 2020
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    عندما تكون الإنسانية في دائرة الخطر!

    النشر : الأربعاء 31 آيار 2017
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    هل حرية المرأة مكفولة في المجتمع الغربي؟!

    النشر : الخميس 15 شباط 2018
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    البديهيات على فراش الموت!

    النشر : الأثنين 02 آيار 2022
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    كيف تعد وجبة فطور صحية من الحبوب؟

    النشر : الأحد 04 ايلول 2022
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    من ينقذ المسعف؟

    • 611 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 610 مشاهدات

    حين يصبح التضليل دستورًا

    • 383 مشاهدات

    دليل اللقاحات الموسمية لمواجهة الفيروسات التنفسية: التوصيات والفئات المستهدفة

    • 365 مشاهدات

    حين تفسد البيئة: العقل بوصفه وسيلة للنجاة

    • 342 مشاهدات

    جهاز مبتكر لتنظيف الأسنان دون فرشاة.. هل تنتهي الطريقة التقليدية؟

    • 339 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1190 مشاهدات

    لماذا تملّ القلوب؟ قراءة نفسية وتربوية في حكمة علوية

    • 822 مشاهدات

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 634 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 611 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 610 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 589 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    مع ولادة العفّة والحياء: السيدة زينب أنموذجًا للحجاب الإسلامي
    • منذ 3 ساعة
    حين يتعلّم الضعف لغة القوة
    • منذ 3 ساعة
    آثار الإفراط في البروتين: إشارات تحذيرية يجب الانتباه إليها
    • منذ 3 ساعة
    المخدرات الرقمية.. بين الوعود الصوتية والحقيقة العلمية
    • الخميس 15 تشرين الاول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة