يمثّل يوم المبعث النبوي ونزول الوحي بداية التاريخ الإسلامي الذي افتتحه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد سبق نزول الوحي إعدادٌ إلهيّ خاصّ، تجلّى في عبادة النبي لله سبحانه وتعالى في غار حراء، حيث كان يتعهّده ربّه الأعلى بالعناية والتربية والإعداد منذ طفولته. وقد أشار إلى ذلك الإمام الباقر (عليه السلام) بقوله:
«ووكّل – أي الله تعالى – بمحمدٍ ملكًا عظيمًا منذ فُصل عن الرضاع، يرشده إلى الخيرات ومكارم الأخلاق، ويصدّه عن الشر ومساوئ الأخلاق»١.
كان مبعث النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالرسالة الإسلامية المقدّسة سنة ثلاث عشرة قبل هجرته الميمونة من مكة إلى المدينة المنوّرة، الموافق لسنة (٦١٠م). وقد بعثه الله تعالى في زمنٍ كانت فيه البشرية غارقة في ظلمات الجهل، وتلفّ سماء الجزيرة العربية سُحُب الجاهلية السوداء، حيث سادت الانحرافات العقدية والأخلاقية، وانتشرت الحروب الدامية، والنهب والسلب، ووأد البنات، وقتل الأولاد، وموت الضمير، وانحلال القيم.
وفي توصيفٍ دقيق لتلك المرحلة، رُوي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه قال:
«بعثه حين لا علمٌ قائم، ولا منارٌ ساطع، ولا منهجٌ واضح»٢.
وكان الحاكم على المجتمع آنذاك قيم الجاهلية وأحكامها، كما يبيّن ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله:
«إنّ الله تعالى بعث محمدًا (صلّى الله عليه وآله وسلّم)… وأنتم معشر العرب على شرّ دين، وفي شرّ دار، منيخون بين حجارةٍ خُشن، وحيّاتٍ صُم، تشربون الكدر، وتأكلون الجشب، وتسفكون دماءكم، وتقطعون أرحامكم…»٣.
وقد قضى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على تلك القيم الجاهلية، ونقل المجتمع من حضيض الانحراف إلى أفق الحضارة والعلم، حتى صاروا في مصافّ الأمم الراقية، وسادوا العالم حين تمسّكوا بدينهم ورسالة نبيّهم، ثم ما لبثوا أن وقعوا في الذلّة والمهانة حين أعرضوا عن ذلك الإرث الإلهي العظيم.
كانت شعوب الجزيرة العربية تعيش غربةً روحية وظلامًا فكريًا دامسًا، فجاء محمد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليكون كما وصفه أمير المؤمنين (عليه السلام):
«أضاءت به البلاد بعد الضلالة المظلمة، والجهالة الغالبة، والجفوة الجافية»٤.
وقال (عليه السلام) أيضًا:
«ابتعثه بالنور المضيء، والبرهان الجلي، والمنهاج البادي، والكتاب الهادي، حتى دخل الناس في الإسلام أفواجًا أفواجًا»٥.
لقد نقل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الناس من عبادة الأوثان إلى عبادة الله الواحد الأحد، بعد أن كانوا في ضلالٍ وتيه وانحراف، لا يعرفون طريق الهداية، كما عبّر عن ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله:
«أرسله وأعلام الهدى دارسة، ومناهج الدين طامسة»٦.
وعند مراجعة بعض كتب السيرة، نجد نصوصًا ركيكة كُتبت بأقلامٍ مسمومة، زعمت أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حين نزل عليه الوحي عاد إلى خديجة (عليها السلام) مرتجفًا، فأخذته إلى ورقة بن نوفل النصراني ليطمئنه ويبشّره بالنبوة، غير أنّ هذه الروايات تخالف ما ثبت في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام). فقد ورد عن زرارة أنّه سأل الإمام الصادق (عليه السلام): كيف لم يخف رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيما يأتيه من قِبَل الله تعالى أن يكون ممّا ينزع به الشيطان؟ فقال (عليه السلام):
«إنّ الله إذا اتّخذ عبدًا رسولًا، أنزل عليه السكينة والوقار، فكان الذي يأتيه من قِبَل الله مثل الذي يراه بعينه»٧.
ومن الخصوصيات العقائدية المهمّة في فهم المبعث النبوي ربطه بمسار الولاية الإلهية، إذ يُنظر إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) بوصفه أصل الولاية، ثم امتدادها في الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، ابتداءً من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). فبحسب الروايات، لما بلغ النبي الأربعين من عمره، هبط عليه جبرائيل (عليه السلام) بالوحي، وقال له: «اقرأ»، فقال: «وما أقرأ؟»، فقال:
﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علّم بالقلم * علّم الإنسان ما لم يعلم﴾،
ثم أوحى إليه ربّه عزّ وجلّ، وأمر الناس بقوله: «استمعوا له وأطيعوه».
وفي رواية أخرى عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، يذكر فيها تفاصيل نزول الوحي، ثم الأمر الإلهي بإنذار العشيرة الأقربين، حيث قال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
«يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شابًا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله عزّ وجلّ أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤمن بي ويؤازرني على أمري فيكون أخي ووصيي ووزيري وخليفتي في أهلي من بعدي؟» قال: فأمسك القوم وأحجموا عنها جميعًا، قال: فقمت – وأنا أحدثهم سنًّا، وأرمصهم عينًا، وأعظمهم بطنًا، وأحمشهم ساقًا – فقلت: أنا يا نبي الله أكون وزيرك على ما بعثك الله به. قال: فأخذ بيدي، ثم قال: «إنّ هذا أخي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا»٨.
وهكذا تتجلّى وحدة الرسالة والولاية كوجهين لحقيقة واحدة، ويغدو المبعث النبوي الأساس الروحي الذي قامت عليه الإمامة، باعتبارها استمرارًا للهداية الربانية.
إنّ الأبعاد الروحية للمبعث النبوي تتمثّل في كونه انطلاقة للهداية الإلهية الشاملة، وبداية لمسارٍ متصل من النبوة إلى الإمامة، هدفه تزكية الإنسان، وبناء روحه، وإعداده للسير في طريق الكمال. ومن هنا يبقى المبعث مدرسةً روحيةً متجددة، تستلهم منها الأمة معاني الوعي والعبودية والارتقاء إلى الله تعالى.
لقد كانت تلك اللحظات التي بعث الله تعالى فيها رسوله الكريم رحمةً وهدايةً وخيرًا ونورًا، فلتكن كلّ اللحظات التي تلتها، وإلى قيام الساعة، فرصةً ثمينةً للاستفادة من شعاع هذا النور الذي أظلّنا الله تعالى به، ببركة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وآله المعصومين الأخيار.








اضافةتعليق
التعليقات