يختلف البشر فيما بينهم وهذه طبيعة الحياة فقد نختلف مع أهلنا وأصدقائنا وزملائنا ومجتمعنا وقد تبدأ الخصومة أحيانًا بسبب كلمة أو موقف أو سوء فهم لكن المشكلة ليست في الخلاف وإنما في الطريقة التي نتعامل بها مع طريقة إدارة الخلاف وفي الحدود التي نسمح للغضب والخصومة أن تتجاوزها.
ولهذا جاء القرآن محذرا من نموذج يصل في شدة خصومته إلى اللدد والمبالغة، فيقول الله سبحانه وتعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.
فالاختلاف لا يعني أن نخسر أخلاقنا والمطالبة بالحق لا تعني أن نظلم من نختلف معه إنما يظهر صدق أخلاق الإنسان في اللحظات الحرجة في العلاقات حين يغضب وحين يختلف وحين تكون لديه القدرة على الرد والإيذاء لكنه يختار أن يضع للخصومة حدودًا لا يتجاوزها فكيف نحفظ أخلاقنا عندما نختلف؟ ومتى تتحول الخصومة من دفاع عن الحق إلى انتقام وفجور؟
هنا تكمن أهمية أن نتعلم ثقافة الخصومة الإسلامية فليس المطلوب أن لا نختلف لأن الاختلاف بين الناس أمر لايمكن تجنبه لكن المطلوب منا أن نعرف كيف نختلف من غير أن نفقد أخلاقنا.
في أغلب الأوقات تبدأ الخصومة بسبب أمر بسيط وقد يكون تافه مثل كلمة لم تعجب أو موقف مزعج أو سوء فهم أو خلاف على أمر مادي فيغضب الانسان وينتهي النقاش لكن الإنسان يبقى يعيش الموقف في داخله ثم يبدأ في تذكر مواقف قديمة يعيد الكلام في رأسه ويفكر في الرد الذي كان يجب أن يقوله ويتمنى لو أنه قال كلمة أقسى أو رد بطريقة مختلفة.
ومع تكرار التفكير لا يعود الإنسان يتذكر الموقف فقط بل يبدأ في إعادة الشعور نفسه يغضب من جديد ويشعر بالرغبة في الرد وربما يبدأ في التفكير بالانتقام وهنا تكمن المشكلة الحقيقية فالخصومة التي كانت بسبب موقف عابر ممكن أن تصبح شيء يسكن القلب ويفسده وهذا المعنى عبّر عنه الإمام الباقر عليه السلام حيث قال: «إياكم والخصومة، فإنها تفسد القلب وتورث النفاق».
فتحذير الامام هنا ليس من مجرد اختلاف عابر وإنما من خصومة طويلة قد تستمر حتى تترك أثرها في القلب وتغيّر الإنسان من الداخل. ولهذا يجب أن ينتبه الإنسان إلى نفسه في بداية الخلاف قبل أن يكبر.
فعندما تكون المشكلة صغيرة يكون من السهل إيقافها لكن إذا دخل فيها الغضب والعناد والكلام القديم يصبح عندها الرجوع أصعب.
وهنا تأتينا مسألة مهمة: ليس كل حق يحتاج إلى معركة طويلة قد يكون الإنسان صاحب حق لكن طريقة مطالبته بحقه قد تجعله يظلم غيره وهذا ما نبهنا منه أمير المؤمنين عليه السلام: جاء في الرواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (مَنْ بَالَغَ فِي الْخُصُومَةِ أَثِمَ، وَمَنْ قَصَّرَ فِيهَا ظُلِمَ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ مَنْ خَاصَمَ).
وهذا الحديث يضع حدًا واضحًا للخصومة بأن لا يبالغ فيها الانسان لأنه قد يبدأ مطالبًا بحقه أو مدافعًا عن موقف يراه صحيحًا أو حق من حقوقه لكن المبالغة في الخصومة قد تنقله من الدفاع عن الحق إلى الرغبة في الانتصار على الطرف الآخر ومع استمرار الغضب قد يتحول الأمر إلى الإيذاء أو الانتقام.
وهنا نصل الى نقطة مهمة وهي احتواء الخصومة منذ بدايتها حتى لا تتوسع دائرة الخصومة أكثر مما تقتضي المشكلة لتشمل أشخاصًا آخرين وتتحول من خلاف محدود بين طرفين إلى مشكلة تمتد إلى الأسرة والأصدقاء والمحيط الاجتماعي ففي بعض الأحيان يبدأ الأمر بموقف بسيط ثم يتحول تدريجيًا إلى قطيعة طويلة أو توتر مستمر بين اثنين ثم يتوسع ليشمل مجموعة من الأشخاص.
كما لا ينبغي أن يتحول موقف حدث اليوم إلى محاكمة لكل ما حدث بينهما خلال السنوات الماضية فقد يبدأ الخلاف بسبب موقف واحد ثم يبدأ كل طرف باستحضار الأخطاء القديمة أنت فعلت كذا وأنت قلت كذا ومنذ سنوات وأنت تفعل كذا وعندها تضيع المشكلة الأصلية وبدل أن يحاول الطرفان حل موقف واحد يصنعان مجموعة جديدة من المشكلات.
ومن الأمور التي تزيد الخصومات أيضًا نقل الكلام فقد يأتي شخص إلى أحد الطرفين ويقول له: فلان قال عنك كذا أو فلان فعل كذا وقد يكون الكلام صحيحًا وقد يكون ناقصًا وقد يكون منقولًا خارج سياقه وقد يكون غير صحيح أصلًا ولهذا كان موقف أمير المؤمنين عليه السلام حازما عندما جاءه رجل يسعى إليه برجل آخر، فقال له: (يا هذا نحن نسأل عما قلت فإن كنت صادقاً مقتناك وإن كنت كاذباً عاقبناك).
وهذا الموقف من أمير المؤمنين عليه السلام يبين أهمية التثبت قبل الحكم على الكلام المنقول فالإنسان لا ينبغي أن يدخل في خصومة أو يتخذ قرارًا تجاه أي شخص لمجرد أنه سمع عنه كلامًا من طرف آخر من غير أن يعرف ويتأكد من الحقيقة وملابساتها .
وتزداد خطورة هذه المسألة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي فخبر واحد يمكن أن ينتشر خلال دقائق ومقطع قديم يمكن أن يعود إلى التداول بعد سنوات ويمكن أن يعيد إشعال مشكلة انتهت منذ زمن وقد يكون الإنسان الذي ينشره لا يعرف أصل القصة ولا ظروفها لكنه مع ذلك يصبح سببًا في إعادة الخصومة إلى الواجهة وحتى عندما يكتب الإنسان عبارة مثل: (كما وصلني) فإن ذلك لا يعني أنه خرج من المسؤولية الشرعية والأخلاقية فكون المعلومة وصلت إليه من شخص آخر لا يجعل نشرها أمرًا مباحًا من الناحية الأخلاقية والدينية.
وإذا كان ما وصل إليه يمكن أن يؤذي إنسانًا أو يشعل فتنة أو يعيد مشكلة قديمة أو خصومة فإن التوقف عن نشره هو الفعل الصحيح بدلاً من المساهمة في نشرها توسيع دائرة الخصومة لأن المشكلة قد تكون قد انتهت بالفعل ثم يأتي شخص ويعيد نشر الكلام أو المقطع أو القصة فتعود الخصومة من جديد وهذا يوضح أن الإنسان قد لا يكون طرفًا في الخلاف الأصلي لكنه يمكن أن يصبح سببًا في استمرارها.
لكن هناك مرحلة أخطر من مجرد استمرار الخصومة أو توسعها وهي أن يفقد الإنسان الحدود الأخلاقية التي يفترض أن تبقى قائمة حتى في حالة الخلاف فالاختلاف مع شخص أمر يمكن أن يحدث لكن عندما يتحول الخلاف إلى كشف الأسرار ونشر الصور والتشهير وتشويه السمعة واستخدام المعلومات الخاصة للإيذاء والانتقام وهتك الحركات فنحن لم نعد أمام مجرد خصومة، وإنما أمام فجور في الخصومة.
وهذا ماعبّر عنه النبي محمد صلى الله عليه وآله: (إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم).
فالإنسان الذي يجعل الخصومة وسيلة لإيذاء الآخر يفقد جانبًا بالغ الأهمية من أخلاقه فهو لم يعد يبحث عن حل للمشكلة ولا عن الوصول إلى الحق وإنما أصبح همه إلحاق الضرر بالطرف الآخر.
وفي الخصومة قد تنتهي علاقة بين شخصين وقد يفترقان وقد لا يعود بينهما ما كان من قبل لكن انتهاء العلاقة لا يعني انتهاء الأخلاق فإذا كان الإنسان يعرف سرًا عن شخص فلا ينبغي أن يحوله إلى سلاح يستخدمه ضد من أمّنه عليه وإذا كانت لديه صورة خاصة أو معلومة شخصية فلا ينبغي أن يستخدمها للإساءة إليه وإذا انتهت علاقة ما فلا ينبغي أن تتحول نهايتها إلى وسيلة للفضيحة والتشهير ولا يسقط حرمة الأمانة ولا يحول الأسرار السابقة إلى مباحات.
فالإنسان لا يعرف ماذا سيحدث غدًا، وقد يأتي يوم يندم فيه على شيء قاله أو نشره في لحظة غضب. وقد يكتشف بعد أن تهدأ الخصومة أن ما فعله لم يكن دفاعًا عن كرامته وإنما كان تجاوزًا لكرامته هو قبل كرامة الطرف الآخر.
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أربع من كن فيه فهو منافق، وإن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر.
الأخلاق لا تُختبر عندما يكون الإنسان راضيًا، وإنما عندما يكون قادرًا على الانتقام لكن الاختبار الحقيقي والصعب عند الخلاف فهو يكشف الإنسان وعند القدرة على إيذاء الخصم أو الانتقام منه هنا في هذه اللحظة تحديدًا يظهر مدى قدرة الإنسان على ضبط نفسه في هذا الموقف الحاسم الذي يُظهر حقيقة أخلاقه.
ولهذا فإن التعامل الصحيح مع الخصومة لا يعني أن يتنازل الإنسان عن حقه أو يسكت عن الظلم الذي يتعرض له وإنما يعني أن يطالب بحقه من غير أن يتحول طلب الحق إلى ظلم آخر وأن يختلف من غير أن يفقد أخلاقه فالمطالبة بالحق حق لا يحتاج إلى الكذب والكرامة لا تحتاج إلى التشهير والقوة لا تحتاج إلى رفع الصوت أو إيذاء الآخرين.
فالإنسان الذي يستطيع أن يحافظ على أخلاقه وهو غاضب وحين يشعر بمرارة الظلم وأن يضبط لسانه وهو قادر على الرد وأن يضع حدًا للخصومة قبل أن تتحول إلى انتقام هو الذي بالفعل استطاع أن يحفظ نفسه وينتصر لها قبل أن يحاول الانتصار على غيره.
ومن أنفع الوسائل النفسية والأخلاقية في التعامل مع الخصومة ألا يرد الإنسان الإساءة بمثلها على المساوئ التي تبدر من المُخاصَم، بل السموّ بالأخلاق، والتعامل بالرأفة والرحمة والمحبّة حتى تتحول الخصومة إلى ود وأُلفة وهذا ما دعانا له ديننا يقول تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَميمٌ﴾.
ومن خلال ما سبق يتضح أن الخصومة قد لا تفسد علاقتنا بالآخرين فقط بل قد تدخل إلى قلب الإنسان وتؤثر في حالته الروحية وتمتد إلى أسرته وعلاقاته في محيطه ومجتمعه وقد تتحول إذا تجاوزت حدودها ولم تضبط إلى فجور وانتقام ولهذا فإن الحكمة ليست في أن ينتصر الإنسان في كل خصومة وإنما في أن يعرف متى يدافع عن حقه ومتى يتوقف وكيف يخرج من الخلاف من غير أن يخسر أخلاقه ومبادئه وكيف يخرج من هذه الخصومه وقد حوّلها إلى محبة .








اضافةتعليق
التعليقات