تترك الحروب والنزاعات المسلحة آثارًا نفسية عميقة في حياة الأطفال والناجين، لا تنتهي بالضرورة مع توقف القصف أو تراجع حدة العنف، بل قد تمتد لسنوات طويلة، خصوصًا في المجتمعات التي تعيش تحت وطأة الصراعات المستمرة، حيث يصبح الشعور بالأمان حاجة يصعب تحقيقها، وتتحول رحلة التعافي النفسي إلى تحدٍّ معقد.
وفي هذا السياق، أكدت استشارية الطب النفسي الدكتورة سماح جبر أن التعامل مع الصدمات النفسية الناتجة عن الحروب في المنطقة العربية، ولا سيما في الأراضي الفلسطينية، يتطلب مقاربات علاجية تختلف عن النماذج التقليدية التي طورتها الدراسات النفسية الغربية.
وجاءت تصريحات جبر خلال مقابلة مع شبكة «CNN بالعربية»، على هامش مؤتمر «صدمات الحروب» الذي استضافته العاصمة الأردنية عمّان يومي 19 و20 سبتمبر 2026.
الصدمات المستمرة تعقّد رحلة التعافي
أوضحت جبر، التي شغلت سابقًا منصب رئيسة وحدة الصحة النفسية في وزارة الصحة الفلسطينية، وتشغل حاليًا منصب أستاذة سريرية مشاركة للطب النفسي والعلوم السلوكية في جامعة جورج واشنطن، أن معظم النظريات الغربية المتعلقة بالصدمات النفسية نشأت من دراسة تجارب الجنود الذين يعودون من ساحات القتال إلى بيئات آمنة، تتيح لهم البدء بمرحلة العلاج والتعافي.
لكن واقع المدنيين في مناطق النزاع يختلف جذريًا؛ إذ يواجه كثير منهم تهديدات متواصلة، دون أن تتوافر لهم فرصة حقيقية للانتقال إلى مرحلة ما بعد الحرب.
وتساءلت جبر عن إمكانية تحقيق التعافي النفسي في ظل غياب البيئة الآمنة والمستقبل المستقر، مشيرة إلى أن استمرار العنف يجعل تطبيق الأساليب العلاجية التقليدية أكثر صعوبة، ويفرض ضرورة تطوير تدخلات تتناسب مع طبيعة هذه الظروف.
الأطفال الفئة الأكثر تأثرًا بالحروب
وحذّرت جبر من التداعيات النفسية للحروب على الأطفال، موضحة أنهم أكثر تأثرًا بالصدمات مقارنة بالبالغين، نتيجة عدم اكتمال نموهم العقلي والنفسي، ومحدودية قدرتهم على فهم الأحداث العنيفة التي تدور حولهم.
كما أن الأطفال لم يطوروا بعد آليات الدفاع النفسي التي تساعد البالغين على التعامل مع الأزمات، الأمر الذي يجعلهم أكثر عرضة للاضطرابات النفسية الناجمة عن الخوف وفقدان الاستقرار.
ولا تقتصر آثار الحرب على الطفل بوصفه فردًا، بل تمتد إلى البيئة الأسرية والاجتماعية المحيطة به. فقد يؤدي تضرر الأسرة والمجتمع إلى اضطراب الأدوار داخل المنزل، بحيث يجد بعض الأطفال أنفسهم مضطرين إلى تحمل مسؤوليات الرعاية التي يفترض أن يؤديها الكبار.
الدعم الجماعي ضرورة في المجتمعات المتضررة
وفي ظل اتساع أعداد المتضررين من الحروب والعنف السياسي، شددت جبر على أهمية اعتماد أساليب الدعم النفسي الجماعي، إلى جانب العلاج الفردي، باعتبارها أكثر ملاءمة للواقع الذي تعيشه المجتمعات المنكوبة.
وأشارت إلى أن حجم المعاناة النفسية يجعل من الصعب إخضاع جميع المتضررين لجلسات علاجية فردية، ما يستدعي توسيع نطاق التدخلات النفسية والاجتماعية لتشمل الأطفال والبالغين على مستوى المجتمع.
صدمات تتزامن بين الأجيال
ولفتت جبر إلى أن التجربة الفلسطينية تكشف جانبًا آخر من تعقيدات الصدمة النفسية، يتمثل في أن آثار العنف لا تنتقل من جيل إلى آخر فحسب، بل قد تعيش أجيال متعددة الصدمات نفسها في الوقت ذاته.
فالأطفال والآباء والأجداد قد يواجهون معًا تجارب الخوف والفقد والتهديد المستمر، وهو ما يجعل التعافي مسألة تتجاوز العلاج الفردي، وترتبط بالظروف الاجتماعية والسياسية المحيطة بالناجين.
العدالة جزء من التعافي النفسي
وأكدت جبر أن تحقيق العدالة يمثل عنصرًا مهمًا في مسار التعافي من الصدمات المرتبطة بالحروب والعنف السياسي، لما يحمله من أهمية في التعامل مع تجارب الضحايا ومعاناتهم.
ومع ذلك، شددت على أن تأخر تحقيق العدالة، أو احتمال عدم الوصول إليها، يجب ألا يتحول إلى عائق يحول دون تقديم الرعاية النفسية والدعم اللازم للناجين.
وتسلط هذه الرؤية الضوء على ضرورة التعامل مع الصدمات الناجمة عن الحروب بوصفها تجارب إنسانية واجتماعية معقدة، لا يمكن فصلها عن الظروف التي يعيشها المتضررون، خصوصًا الأطفال الذين يحتاجون إلى الحماية والاستقرار والدعم النفسي، حتى عندما يستمر النزاع وتظل فرص الوصول إلى الأمان محدودة.








اضافةتعليق
التعليقات