قبل ربيع عام 2020، كان العمل من المنزل امتيازاً نادراً، سبعة في المئة فقط من سكان العالم كانوا يمارسونه، بحسب منظمة العمل الدولية وبعد عامين فقط، صارت 16% من الوظائف عن بُعد بالكامل أما في الاتحاد الأوروبي اليوم، فثلاثة من كل عشرة موظفين يفتحون حواسيبهم في بيوتهم بدل مكاتبهم، تحوّل بهذه السرعة كان لا بدّ أن يترك أثراً لكن السؤال الذي بقي في الظل هو: ماذا فعل هذا الانتقال بصحة الناس النفسية؟
مراجعة منهجية نشرتها المجلة الدولية للبحوث البيئية والصحة العامة عام 2024، أعدّها فريق من جامعتي سلامنكا وبلد الوليد الإسبانيتين، حاولت الإجابة، قرأ الباحثون 64 دراسة علمية عن العلاقة بين العمل عن بُعد والصحة النفسية، وخرجوا بخلاصة واحدة واضحة: لهذا النمط وجهان، ولا يمكن الحكم عليه بوصفه خيراً خالصاً أو شراً خالصاً.
من أين جاءت هذه الأرقام؟
لم يُجرِ الباحثون تجربة جديدة، بل جمعوا ما قاله الآخرون. بحثوا في سكوبس، وهي أكبر قاعدة بيانات للأبحاث العلمية المحكَّمة، عن كل دراسة تجمع بين كلمتي العمل عن بُعد والصحة النفسية، عثروا على 139 بحثاً، ثم صفّوها خطوة بخطوة حتى بقي 64 بحثاً فقط هي الأوثق صلة بالموضوع وحتى لا ينحاز أحد، قرأ كل بحث باحثان منفصلان، وعند الاختلاف كان يُحال إلى زميلين آخرين.
ثم استعان الفريق ببرنامج متخصص رسم خريطة للكلمات الأكثر تكراراً في هذه الأبحاث، فظهرت أربع عائلات من الموضوعات تتكرر معاً. ولعل أطرف ما كشفته الخريطة هو التوقيت: الموضوع ظهر لأول مرة عام 2002، وظلّ هامشياً نحو عقدين، ثم انفجر عام 2020 وبلغ ذروته عام 2021. الجائحة لم تخترع المشكلة، لكنها أجبرت العالم على ملاحظتها.
أكبر عائلة من الدراسات، وهي قرابة 40% من المجموع، تدور حول فكرة واحدة: ظروف العمل. والخلاصة التي تخرج منها مباشرة هي أن الضرر لا يأتي من كونك في البيت، بل من الكيفية التي تعمل بها هناك.
تخيّل موظفاً يعمل ثماني ساعات على طاولة المطبخ، على كرسي لم يُصنع للجلوس الطويل، في غرفة يصل إليها ضجيج البيت كله، وبإنترنت ينقطع في منتصف الاجتماعات وهذه ليست تفاصيل ثانوية؛ الدراسات تضعها في مقدمة أسباب الإنهاك ويزداد الأمر سوءاً حين يشعر الموظف بأنه مُثقل بالمهام، أو معزول بلا دعم من مديره. وقد وجد الباحثون أن من يتلقّون دعماً أقل وإشرافاً أضعف يسجّلون أعلى معدلات المعاناة النفسية، وفي الجهة المقابلة حين تتوافر الشروط الجيدة، تظهر المكاسب بوضوح: رضا أعلى عن العمل، وجودة حياة أفضل، ومرونة في المواعيد، وساعات تُوفَّر من زحمة الطريق، أما حين تغيب، فالقائمة طويلة ومألوفة لكثيرين: صداع متكرر، وسرعة انفعال، ونفاد صبر، وقلق، وفقدان الحماس، ونوم مضطرب، وتعب لا يزول وسببها الأول، بحسب المراجعة، كثافة العمل والزيادة الكبيرة في عدد الساعات التي صار الموظف يقضيها أمام الشاشة.
الجائحة... والمعلّمون في عين العاصفة
الفرق بين أن تختار العمل من البيت وأن تُجبر عليه ليس تفصيلاً وهذه العائلة الثانية من الدراسات، وهي 24% من المجموع، تقول إن الإلزام هو ما ضاعف الأثر النفسي خلال الجائحة، لا العمل عن بُعد في ذاته، فقد ارتفعت حالات القلق والاكتئاب، وتراجعت الإنتاجية والأداء في الوقت نفسه.
وكان المعلّمون الفئة الأشدّ تضرراً 36% منهم قالوا إن أصعب ما في التعليم عن بُعد أمران: غياب اللقاء المباشر مع الزملاء والطلبة وصعوبة الفصل بين البيت والعمل ولم يكن الأمر مجرد شعور؛ فالتدريس عن بُعد تطلّب وقتاً وجهداً أكبر من التدريس في الصف وبعد عام كامل من إعلان الجائحة، لم تهدأ العاصفة: 72% من المعلمين كانوا ما زالوا يشعرون بضغط شديد و57% بإنهاك بالغ وداخل هذه الفئة، كانت المعلّمات الأمهات لأطفال صغار الأكثر معاناة على الإطلاق لسبب لا علاقة له بالتعليم: عدم تكافؤ توزيع الأعمال المنزلية بين الزوجين. البيت الذي صار مكتباً لم يتوقف عن كونه بيتاً يحتاج من يديره.
الوحدة التي لا تظهر في تقارير الأداء
العائلة الثالثة من الدراسات (19% من المجموع) تجمع ثلاثة أسماء صارت مألوفة: القلق، والاكتئاب، والاحتراق الوظيفي أي حالة الإنهاك العاطفي والذهني والجسدي الناتجة عن ضغط طويل والخيط الذي يربطها جميعاً هو العزلة، البعد عن الزملاء، غياب الحديث العابر في الممر يصنعان شعوراً بالوحدة لا يظهر في أي تقرير إنتاجية لكنه يعمل في الخلفية.
والأرقام تقول الباقي، في فرنسا أظهر 32.1% من المشاركين علامات اضطراب القلق خلال فترة الإغلاق وعانى 7.65% من اضطراب اكتئابي. وفي دراسة على الأخصائيين النفسيين أنفسهم وهم المدرَّبون على التعامل مع هذه الحالات أفاد 34% بإنهاك شخصي و37% بإنهاك مهني. وفي دراسة أوسع، قال 40% من العاملين عن بُعد إن لديهم ميولاً اكتئابية وقلقية بسبب هذا النمط وكان من يعملون عن بُعد منذ مدة طويلة أسوأ حالاً ممن جرّبوه فترة قصيرة، والمفارقة أن هذا كله لم يبدأ مع الجائحة، ففي عام 2003 أي قبل عشرين عاماً من اكتشاف العالم للعمل عن بُعد، نبّه الباحثان ستيفن مان ولين هولدزوورث إلى أن العاملين من المنزل يعانون أكثر من زملائهم في المكاتب من الوحدة وسرعة الانفعال والقلق وضعف الثقة والشعور بالذنب والنتيجة نفسها ما زالت صحيحة اليوم.
حين يتحوّل الضغط إلى سيجارة وكأس
العائلة الرابعة والأخيرة (17% من المجموع) تضيف ما لا يُقال عادة: الضغط النفسي لا يبقى في الرأس، بل ينزل إلى السلوك اليوميي حيث رصدت دراسة إيطالية ارتفاعاً في استهلاك الكحول بين العاملين عن بُعد، وزيادة في عدد السجائر لدى المدخنين وهذه ليست عادات عشوائية؛ إنها طريقة يلجأ إليها الناس لمواجهة ضغط لا يجدون له منفذاً آخر وفي المستشفيات الفرنسية، كان انتشار الضيق النفسي بين الموظفين الذين عملوا من بيوتهم أعلى منه بين زملائهم الذين بقوا في المستشفى أما في الجامعات الإيطالية فجاءت النتائج منقسمة: فريق أبدى رضاً عالياً، وفريق آخر عانى قلقاً واكتئاباً واحتراقاً واضحاً.
لماذا هذا الانقسام؟ الجواب الذي تقدّمه الدراسات بسيط ونادراً ما يُؤخذ في الحسبان: التفضيل الشخصي. من يحب العمل من بيته يزدهر فيه ومن لا يجد نفسه فيه يكون أكثر عرضة للضغط من غيره. المشكلة أن قرار العمل عن بُعد كثيراً ما يُتخذ في الأعلى، ونادراً ما يُسأل الموظف عن رأيه.
وجهان لعملة واحدة... والنساء يدفعن أكثر
هنا تصل المراجعة إلى خلاصتها المركزية: العمل عن بُعد ذو طبيعة مزدوجة فهو عند فريق من الباحثين مصدر رفاه وجودة حياة ورضا وظيفي، وعند فريق آخر مصدر اضطرابات نفسية لكن الميزان مائل بوضوح: من بين الـ64 دراسة، تناول أكثر من 90% الآثار السلبية على الصحة الجسدية والنفسية، والأهم أن هذا الأثر لا يتوزّع بالتساوي لأن الارتباط السلبي بين العمل عن بُعد والصحة النفسية يظهر بأوضح صوره لدى النساء، لا لسبب يتعلق بالعمل نفسه، بل باختلاف المسؤوليات ورعاية الأطفال وعدم التكافؤ في توزيع أعمال البيت.
وهناك نتيجة واحدة فاجأت الباحثين أنفسهم: أصحاب المستويات التعليمية الأدنى أظهروا ميولاً أقل نحو المشكلات النفسية من أصحاب التعليم العالي وهو عكس ما تقوله عادة أدبيات الصحة النفسية، أما بقية العوامل التي تحدّد من يتضرر ومن لا يتضرر، فمألوفة: طبيعة الوظيفة، ومستوى دعم صاحب العمل، والتفضيل الشخصي، وشكل الأسرة في البيت ويبقى العامل الأخطر هو غياب الخط الفاصل بين الحياة الشخصية والعمل؛ فحين لا ينتهي الدوام يبدأ الاحتراق.
ما الذي تستطيع الشركات فعله؟
تقول المراجعة شيئاً واضحاً لأصحاب العمل: دعم الصحة النفسية لم يعد رفاهية تُضاف إذا بقي في الميزانية فائض بل شرط لاستمرار المؤسسة نفسها وتتلخص التوصيات في خمس نقاط عملية:
· دعم نفسي حقيقي، وتدريب الموظفين على التعامل مع الضغط وفرط عبء العمل.
· قواعد واضحة لنهاية الدوام، بدل ترك كل موظف يرسم حدوده وحده ويفشل.
· دعم تقني واجتماعي، يتيح فرص التواصل بين الزملاء ويقوم على حوار متبادل وثقة، لا على تعليمات من طرف واحد.
· سؤال الموظفين قبل القرار لا بعده، مع تنويع المهام وأسلوب قيادة يناسب العمل عن بُعد.
· الحفاظ على الشعور بالانتماء؛ فالعمل من البيت يجب ألّا يعني الانقطاع عن المؤسسة.
وتضيف المراجعة تنبيهاً أخيراً لصانعي القرار: انتبهوا إلى المساواة بين الجنسين عند فرض العمل عن بُعد، لأن العبء لا يقع على الرجال والنساء بالتساوي.
ما لا تقوله الدراسة
الأمانة تقتضي ذكر حدود هذه المراجعة، وقد ذكرها أصحابها بأنفسهم كونها اعتمدت على قاعدة بيانات واحدة، واستبعدت فصول الكتب وأوراق المؤتمرات والأهم أنه لا توجد حتى الآن أداة قياس تفصل بدقة بين ما سببته الجائحة وما سببه العمل عن بُعد، ما يجعل تعميم نتائج مرحلة ما بعد كورونا أمراً يحتاج إلى حذر، ويقترح الباحثون أربعة اتجاهات لما هو قادم: دراسة التداخل بين أعراض كوفيد طويل الأمد الذي تتراوح نسبة حدوثه بين 7.5% و41% ومشكلات العمل عن بُعد؛ وتقييم السياسات التي تنفع فعلاً؛ والمقارنة بين دول ذات ثقافات عمل مختلفة؛ وقياس العائد الحقيقي للعمل عن بُعد على الإنتاجية.
تبقى الخلاصة بسيطة بقدر ما هي صعبة التطبيق: العمل عن بُعد صار جزءاً من حياتنا، ونتائجه إيجابية وسلبية في آن والفرق بين الوجهين لا تصنعه التكنولوجيا بل القرارات التي تتخذها المؤسسات: كيف تهيّئ الظروف، ومن تسأل قبل أن تقرّر، وهل تعامل صحة موظفيها النفسية بوصفها استثماراً أم بنداً قابلاً للتأجيل.








اضافةتعليق
التعليقات