جميعنا مررنا بتلك التجربة الغريبة: (تجلس مع شخص ساعة واحدة ثم تغادر منهكاً وكأنك عملت يوماً كاملاً) لم يكن هناك شجار، ولم تبذل جهداً جسدياً مع ذلك تشعر بثقل نفسي ورغبة في الصمت والابتعاد عن الجميع، في المقابل، قد تمضي ساعات مع شخص آخر ثم تعود وأنت أكثر راحة وهدوءاً، ما الذي يحدث؟
ليست كل أشكال التعب جسدية فالعلاقات نفسها قد تصبح مصدراً للاستنزاف عندما تضيع الحدود بين التعاطف مع الآخرين وبين حمل مشاعرهم ومشكلاتهم ومسؤولياتهم، والحل ليس دائماً في عبارة -ابتعد عن الأشخاص السلبيين- التي أصبحت شائعة في خطاب التنمية الذاتية لأننا لا نستطيع أن نختار كل الأشخاص الموجودين في حياتنا.
قد يكون الشخص المتعب قريباً أو زميل عمل أو فرداً من الأسرة، كما أن الحياة الإنسانية لا يمكن أن تقوم على الفرار من كل علاقة صعبة، والحل الأكثر نضجاً هو أن نتعلم كيف نبقى وسط الناس من دون أن نفقد أنفسنا بينهم.
يسمي علم النفس الأسري هذه القدرة أحياناً بـالتمايز الذاتي وهي ببساطة قدرة الإنسان على الاحتفاظ بأفكاره وموقفه وتوازنه الانفعالي مع بقائه على علاقة بالآخرين، والإنسان الأكثر تمايزاً لا يحتاج إلى مقاطعة أسرته حتى يكون مستقلاً ولا يحتاج إلى الموافقة على كل ما يقولونه حتى يشعر بأنه محبوب، يمكنه أن يقول: "أنا أحبك، لكنني أختلف معك"، ويمكنه أن يستمع إلى مشكلة صديقه من دون أن يقضي بقية يومه قلقاً عليها، وتشير مراجعة علمية واسعة لأبحاث نظرية بوين إلى وجود ارتباط بين التمايز الذاتي الأفضل وبين الصحة النفسية وجودة العلاقات الزوجية والأسرية، وهنا يكمن الفرق بين التعاطف والاندماج لأن التعاطف هو أن نشعر بالآخر أما في الاندماج فنفقد المسافة بيننا وبينه.
جانب آخر من الاستنزاف نصنعه بأنفسنا وهو التوقعات، نحن لا نتألم دائماً لأن شخصاً لم يفعل شيئاً من أجلنا، بل لأننا كنا متأكدين من أنه سيفعله ونتوقع أن من وقفنا معه سيقف معنا بالطريقة نفسها، ومن تذكرنا مناسباته سيتذكر مناسباتنا، ومن استمعنا إليه ساعات سيكون مستعداً للاستماع إلينا بالطريقة ذاتها ثم تأتي الحقيقة مختلفة عن السيناريو الذي كتبناه في أذهاننا.
توضح أبحاث في علم نفس التوقعات أن خفض التوقعات في بعض الظروف يمكن أن يكون إحدى الوسائل التي يستخدمها الإنسان لتقليل خيبة الأمل، مع أهمية ألا يتحول ذلك إلى تشاؤم دائم أو انعدام ثقة، والأصح إذن ليس ألّا نتوقع شيئاً من أحد، بل أن نفرّق بين الحق والتوقع والرغبة، من حقك أن تطلب الاحترام، لكن ليس من حقك أن تتوقع أن يفهم الآخر احتياجاتك من دون أن تعبّر عنها.
وهناك استنزاف آخر يحدث بسبب ردود أفعالنا، يقول شخص جملة مستفزة، فنقضي نصف ساعة نشرح موقفنا. ينتقدنا آخر، فنكتب صفحات من المبررات. يسيء أحدهم فهمنا، فنشعر بأن مهمتنا العاجلة أن نصحح صورته عنا وهكذا يصبح الآخر قادراً على التحكم بوقتنا وطاقة أعصابنا بمجرد كلمة، والنضج النفسي يتضمن إدراك حقيقة بسيطة وهي ليس ضرورياً أن تنهي كل نقاش وأنت مفهوم تماماً من الجميع) أحياناً يكفي أن تقول "أحترم رأيك" وأحياناً "نختلف في هذا" وأحياناً لا يحتاج الكلام إلى أكثر من الصمت، وليست قوة الشخصية في امتلاك الرد لكل شيء بل في معرفة ما يستحق الرد أصلاً.
عندما تتحول المساعدة إلى وظيفة دائمة خاصة عند الأشخاص شديدو العطاء أكثر عرضة لنوع مختلف من الاستنزاف ليأخذ دور المنقذ، فهم لا يكتفون بالتعاطف مع مشكلة الآخر؛ بل يشعرون أنهم مسؤولون عن حلها، وشيئاً فشيئاً تصبح حياتهم غرفة طوارئ مفتوحة للآخرين، لكن هناك فارقاً عميقاً بين أن تساند الإنسان وأن تعيش حياته بدلاً عنه وحتى في أدبيات العلاج النفسي، يُشار إلى أن الإفراط في المساعدة قد يطمس الحدود ويؤدي إلى الإرهاق والاستياء بل وقد يمنع الطرف الآخر أحياناً من تحمل نتائج خياراته، ببساطة يمكنك أن تقول لمن تحب: "أنا معك، لكن القرار قرارك"، "سأساعدك بما أستطيع، لكنني لا أستطيع حمل المشكلة كلها" وهذه ليست أنانية، بل إعادة للمسؤولية إلى مكانها الصحيح.
عشرون دقيقة نعود فيها إلى أنفسنا خاصةً بعد يوم طويل من مطالب الناس، يحتاج الإنسان إلى مساحة لا يؤدي فيها أي دور، لا رسائل، لا مشكلات الآخرين، ولا محاولة لإرضاء أحد، حيث تشير دراسات عن العزلة القصيرة المختارة إلى أن قضاء نحو 10 إلى 15 دقيقة منفرداً قد يقلل شدة الانفعالات عالية الاستثارة، ويساعد بعض الناس على الوصول إلى حالة أكثر هدوءاً واسترخاءً وقد تكون هذه المساحة صلاة، أو قراءة، أو مشياً هادئاً، أو جلوساً مع كوب من الشاي، أو كتابة ما يدور في النفس والقيمة ليست في النشاط نفسه، بل في الرسالة التي نرسلها إلى ذواتنا (لست موجوداً فقط لتلبية مطالب الآخرين).
الحماية لا تعني بناء جدار
هناك فارق كبير بين الحدود والجدران لأن الجدار يقول "لن أسمح لأحد بالاقتراب مني"، أما الحد فيقول "يمكنك الاقتراب، لكن ليس إلى درجة أن أفقد نفسي" والهدف ليس أن يصبح الإنسان أقل حباً أو عطاءً، وإنما أن يصبح عطاؤه أكثر وعياً. فالذي يعطي بلا حدود قد يصل في النهاية إلى مرحلة لا يستطيع فيها إعطاء شيء لذلك ربما لا يكون السؤال الصحيح: (كيف أتخلص من الأشخاص الذين يستنزفونني؟) بل (كيف أمنع علاقتي بالآخرين من أن تتحول إلى استنزاف؟).
وحين نتعلم الفصل بين مشاعرنا ومشاعر الآخرين، ونخفف توقعاتنا غير المعلنة، ولا نحول كل استفزاز إلى معركة ونتخلى عن مهمة إنقاذ الجميع، ونخصص لأنفسنا مساحة يومية للهدوء؛ سنكتشف أننا لسنا مضطرين للاختيار بين أمرين متطرفين: إما أن نذوب في الآخرين أو نهرب منهم فهناك طريق ثالث أكثر اتزاناً وهو أن نبقى قريبين، من دون أن نفقد أنفسنا.








اضافةتعليق
التعليقات