قرأتُ مؤخرًا في علم نفس السلوك الإنساني لمختص يُحلل تحولات الحركة النسوية، وكان مما لفت انتباهي تحليله لنشأتها؛ إذ بدأت كحركة للمطالبة بحقوق المرأة الأساسية والمساواة التاريخية، بقيادة شخصيات فكرية مثل "سيمون دي بوفوار" و"فرجينيا وولف". غير أن الصورة اليوم اختلفت تمامًا؛ فقد تطورت النسوية الراديكالية الحديثة إلى ما يمكن وصفه بـ "النرجسية الفكرية الجماعية"، حيث تحولت القضية من البحث عن العدالة والمساواة المشروعة إلى التنقيب عن "مظلومية دائمة".
لقد أصبح هذا الاتجاه يتجلى في أشكال سلوكية ونفسية متقاطعة مع أدبيات علم النفس الحديث والمبادئ الإسلامية.
أولا: التشوه المعرفي والتفكير ثنائي القطب
من منظور العلاج المعرفي السلوكي تُمارس الحركة الحديثة آلية تُعرف بـ التفكير ثنائي القطب؛ حيث يُقسم العالم بحتمية حادة: "كل رجل ظالم، وكل امرأة ضحية"، بغض النظر عن السياق الإنساني أو الظروف الفردية. يؤدي هذا النمط إلى تصنيع عالم بسيط في ظاهره، ولكنه مختل ومشوّه عمقًا، يقتطع الواقع من تعقيداته ويحوله إلى معركة بين معسكرين.
ثانيا: إسقاط الفشل وعقدة الضحية
يُلاحظ النفسانيون أن هذا التيّار يمارس ما يُسمى بالهجوم الوقائي، عبر إلقاء كافة الإخفاقات الشخصية والاجتماعية على شماعة "الذكورية السامة" وربط كل عقبة بمؤامرة سلطوية، مما يسلب المرأة أهليتها الفاعلة وإرادتها الحرّة.
وفي هذا الصدد، تشير دراسة نُشرت في مجلة (Journal of Personality and Social Psychology) إلى أن تبنّي "عقلية الضحية الدائمة" يقلل من شعور الفرد بالمسؤولية الذاتية، ويزيد من مستويات العدائية والإسقاط النفسي على الآخرين، مما يعطل التكيف النفسي والاجتماعي السليم.
ثالثا: المطالبة بالحقوق دون الواجبات (الاستحقاق المطلق)
إن أخطر ما يعيب هذا الاتجاه هو المطالبة بما يُسمى "الاستحقاق الأنثوي المطلق"؛ أي المطالبة بامتيازات وحقوق كاملة، مع التملص التام من الواجبات والمسؤوليات المترتبة عليها، وهو ما يتنافى مع مبدأ التوازن الفطري والاجتماعي.
وفي المفهوم الإسلامي يُعرف بالتكامل والعدل لا المزايدة فهو يقوم على التكامل لا الندّية والصراع.
أولا: التوازن والمساواة في الأهلية: قال رسول الله ﷺ: «إنَّما النساءُ شقائقُ الرجالِ»؛ مما يؤكد الشراكة والإنسانية المتكافئة دون محو الفروق الفطرية والوظيفية.
ثانيا: العدل وتحمل المسؤولية: قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]، فالحقوق والمكتسبات مرتهنة بالواجبات والمسؤوليات، ولا استحقاق بلا كفاءة أو التزام.
ثالثا: الرفض النبوي عن للصراع: إذ أنه نبّه عليه السلام إلى خطورة النظرة الجاحدة أو التصادم لتثبيت الروابط الإنسانية، وحث على العدل وإنصاف الحقوق من الطرفين.
إن ما نحتاجه اليوم ليس تغذية الصراع الجنساني وإدارة ويلات "المظلومية الاستراتيجية"، بل العودة إلى منظور متوازن يحفظ للمرأة كرامتها وحقوقها كاملة، ويحملها في الوقت ذاته مسؤوليتها الإنسانية والأخلاقية لبناء مجتمع قائم على التكافؤ والتكامل.








اضافةتعليق
التعليقات