نعيش اليوم في عصرٍ تتداعى فيه الثقافات وتتداخل الأفكار كالأمواج العاتية، عبر شاشاتٍ ومنصات لا تعترف بالحدود. وعلى الرغم من أن الاطلاع على معارف الآخرين قد يفتح آفاقاً جديدة، إلا أنه يحمل في طياته خطراً دفيناً على الروح والفكر؛ فهذا الاطلاع والانفتاح إن لم يكن تحت رقابة النفس والرجوع للقيم، فهو عاصفة تجتاح شكل وملامح الشخصية الإسلامية، وهو تحدٍ صريح للقيم وإعادة تعريف للحياة بشكل يختلف تماماً عما أمر به الإسلام.
إن خطورة هذا الانفتاح العشوائي لا تكمن في مجرد النظر أو الاستماع الظاهري، بل في ذلك التسرب الخفي للمفاهيم المنحرفة التي تعمل على نحت قناعات جديدة تُزيح صبغتنا الإيمانية. وقد حذرنا القرآن الكريم من هذا الانزلاق في قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: 138]؛ فالهوية المسلمة صبغةٌ ربانية ناصعة، متى ما تُركت للمؤثرات الغريبة شحب بريقها واختفت ملامحها.
ولكي لا نجعلهم ينحتون لأنفسهم ولثقافتهم مكانة بارزة تطغى على الصبغة الثقافية والدينية عندنا، بات حرياً بنا أن نستشعر أهمية الحراسة الذاتية؛ فيجب أن نراقب ما نرى ونسمع تماماً كما نراقب ما نأكل ونشرب.
إن العين والأذن هما منافذ الروح ومطايا العقل، وما يدخل منهما هو الغذاء المعنوي الذي يصوغ مسار الإنسان. ينبهنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى دقة هذه المنافذ وأثرها على القلب فيقول: إنَّ هذِهِ القُلوبَ أوعِيَةٌ فَخَيرُها أوعاها .
وعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال في تفسير قوله تعالى ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾ [عبس: عِلْمِهِ الَّذِي يَأْخُذُهُ، عَمَّنْ يَأْخُذُهُ فالطعام ليس ما يملأ البطون فحسب، بل هو كل ما تتغذى عليه العقول والأرواح من مشاهد وأفكار وأصوات.
إن حماية الفطرة التي فطر الله الناس عليها تستدعي بصيرةً حية وجداراً قيمياً حصيناً. فالإنسان المسلم ليس متلقياً سلبياً لكل ما يُبث، بل هو صيرفيٌ خبير يزن المعارف بميزان الشرع والعقل. إن حصانتنا لا تعني الانغلاق والتوجس، بل تعني الرقابة الواعية والتمسك بالأصل الأصيل؛ ليبقى مظهرنا ومخبرنا مشرقاً بجمال تعاليم الإسلام، صامداً أمام عواصف التغيير والتغريب.
وفي المطاف الأخير لابد أن نُدرك إنَّ المعركة الحقيقية في زمن الانفتاح ليست معركة إغلاق الأبواب، بل معركةُ حِراسة العقول وإحكامِ بَصيرة القلوب. إنَّ قيمنا الإسلامية ليست موروثاً هامشياً نتخلى عنه أمام أول طوفانٍ فكري، بل هي الروح التي تمنح حياتنا معناها وهويتنا ألقها. ولن يظل حصنُنا الديني والثقافي شامخاً إلا إذا جعلنا من تقوى الله ورقابة الذات سياجاً يحيط بما يدخل إلى عقولنا؛ فمن مَلَكَ زِمامَ ما يرى ويسَمع، مَلَكَ الحفاظَ على دينه وكرامةِ شخصيته، ليغدو كالشجرة الطيبة.. جذورُها ثابتة في أرض الفرقان، وفرعُها يلامس السحاب ثباتاً ووعياً.








اضافةتعليق
التعليقات