في عالمٍ يضجّ بالمؤثرات الخارجية والتدفق المعلوماتي المتسارع، تصبح تربية الأبناء عملية أشبه بالسير في حقل ألغام، خاصة عند الوصول إلى "منطقة البرزخ"؛ تلك المرحلة الفاصلة بين الطفولة والشباب. من هنا، أطلقت جمعية المودة والازدهار النسوية مبادرتها النوعية عبر ورشة تدريبية مكثفة استمرت لمدة يومين، قدمتها الأستاذة فاطمة معاش (ماجستير علم نفس وباحثة في نهج البلاغة).
جاءت الورشة لتعالج سؤالاً مصيرياً: كيف ننقذ أبناءنا من اضطرابات الهوية ونقودهم نحو الثبات والنمو؟
انطلقت الورشة في مقر جمعية المودة والازدهار، وتوزعت أجندتها على مدار يومين، حيث بدأت في تاريخ 31 آذار (3/31)، والمصادف لـ11 شوال، في تمام الساعة الرابعة مساءً. وقد شهدت الورشة إقبالاً لافتاً من الأمهات الساعيات لامتلاك أدوات التربية الحديثة الواعية.
بدأت الأستاذة فاطمة في تشخيص المرحلة (البرزخ بين الطفولة والشباب).
وضعت الأستاذة معاش يدها على الجرح بتوصيف دقيق للمراهقة، معتبرة إياها "حالة فوضى طبيعية تماماً"، وأن المنطقة "البرزخية" تقع بين ضفتي الطفولة والشباب. هذا الجسر الذي يعبره الأبناء محفوف بأمواج عاتية من التقلبات، مما يؤدي إلى فوضى، وهي أمرٌ طبيعي. فالاستياء المستمر، وعدم الرضا، والتقلبات العاطفية هي "أعراض صحية" لنمو الهوية وليست سوء أدب.
فالمراهق لا يمر بمجرد تغيرات جسدية، بل هو كائن يعبر جسراً تتقاذفه أمواج عاتية، وتظهر عليه علامات تستوجب من الأم تفهماً عميقاً لا صداماً عنيفاً.
طاقة وانفعال شديد؛ إذ يحتاج المراهق إلى قنوات تفريغ سليمة، وإلا تحوَّلت هذه الطاقة إلى سلوك عدواني أو انغلاق تام.
الاستياء المستمر وعدم الرضا: هي محاولة لا شعورية لإثبات الذات عبر التمرد على المألوف.
كما تطرقت لأسباب التقلبات العاطفية والأخلاقية؛ إذ نشهد لدى المراهقين فوضى المشاعر، مما يجعل المراهق شخصاً مختلفاً بين ساعة وأخرى.
البلوغ الجسدي السريع: التغيرات الفيزيولوجية تُسبِّب قلقاً داخلياً، مما يجعله بحاجة إلى "مظلة حماية" نفسية تُشعره بالأمان والاستقرار.
المحور الثاني: الفلسفة التربوية من منظور "نهج البلاغة"
استلهمت الورشة رؤيتها من قول الإمام علي (عليه السلام): "إنما قلبُ الحدث كالأرض الخالية، ما أُلقي فيها من شيءٍ قبلته". ومن هذا المنطلق، تم استعراض مفاهيم مفتاحية للتعامل مع المراهق:
الحدث: هو ذلك الكائن الذي وصل حديثاً لسن المراهقة، وهو في قمة الاستعداد للتلقي.
الصعب: المراهق كالجمل المتمرد غير المروض، الذي يصعب قياده بالأساليب التقليدية الفوقية.
النفور: هو أخطر مراحل العلاقة، حيث يلجأ المراهق للهروب من واقعه ومن سلطة الوالدين إذا لم يجد الاحتواء.
المحور الثالث: استراتيجيات المبادرة والوعي
شددت الورشة على مفهوم "المبادرة قبل الاختراق"، فالأم الواعية هي التي تبادر لغرس القيم قبل أن تسبقها منصات التواصل الاجتماعي أو رفقاء السوء.
إذ يجب أن يشعر الطفل بأن الأم تفهم عالمه، وتدرك ما يدور في خلده.
لا يمكن تربية جيل "السوشيال ميديا" بأدوات السبعينيات؛ بل لا بد من استخدام لغة مؤثرة وحديثة تلامس واقعهم.
حذرت الأستاذة معاش من تراكم "النكات السوداء" في القلب نتيجة الذنوب أو الإهمال التربوي، مما يؤدي إلى انغلاق قنوات التواصل بين الأم وابنها.
كما تفضلت الأستاذة معاش بأن في ظل البلوغ الجسدي السريع وقلق الهوية، يحتاج المراهق إلى "مظلة حماية" نفسية توفرها الأم الواعية، لتمتص صدمات هذا التحول.
ثم عادت لتصف فلسفة "قلب الحدث": استحضاراً لقول الإمام علي (ع)، تم تبيان أن قلب المراهق "أرض خالية"؛ فإما أن تزرع فيه الأم بذور الانتماء، أو تتركه نهباً لـ"النفور" والتمرد الذي يصعب قياده (الجمل الصعب).
مدمرات الهوية.. عناصر انعدام الأمان في الأسرة
في أحد أهم محاور الورشة، تم تسليط الضوء على "الألغام" التي تزرعها الأمهات (غالباً دون قصد)، وتؤدي إلى تحطم هوية الأبناء مثل:
عنف الكلمات والأفعال، والضرب، والإيذاء الجسدي، والصراخ المستمر؛ كلها تكسر جسور الثقة.
أيضاً فخ المثالية والتوقعات العالية، فإن مطالبة المراهق بما يفوق طاقته تُولِّد لديه شعوراً دائماً بالفشل والعجز.
والمقارنة واللوم؛ فالملامة تشد نيران اللجاجة، فكلما زاد اللوم، زاد تمرد المراهق. أما المقارنة مع الآخرين فهي طعنة في كينونة المراهق الخاصة.
تصيد الأخطاء: السعي وراء العثرات يهدم الأمان. البديل هو "التغافل الذكي"؛ أن نتظاهر بعدم الرؤية كي نحافظ على المراهق والموقف، ثم نعقب لاحقاً بأسلوب غير مباشر.
تصدير الهموم: شكوى الأم المستمرة من الحياة والمشاكل أمام المراهق تحمله هماً فوق عمره، وتفقده الشعور بالأمان في حصنه الأول (المنزل).
استراتيجيات البناء.. ثنائية الانتباه والتجاهل
انتقلت الورشة إلى الجانب التطبيقي عبر "قواعد القبول والإقبال":
قاعدة القبول = الإقبال: إذا شعر المراهق بأنه مقبول لذاته (لا لإنجازاته فقط)، سيُقبل على والديه. أما عدم القبول فيؤدي حتماً إلى "الإدبار" (اللامبالاة وانعدام الاهتمام).
النبرة الهادئة واللين: "ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك"؛ هذا هو القانون المحمدي في الإقناع. النبرة الهادئة هي المفتاح السحري لعقل المراهق.
الخصوصية والوقت النوعي: تخصيص وقت منفرد لكل طفل بعيداً عن إخوته، لممارسة هواياته والاهتمام بما يحب، يجعله يشعر بأنه "محبوب لذاته".
تعزيز القيمة الجوهرية: ركزت الورشة على ضرورة الثناء على العلم والمواهب والإنجازات البسيطة، وتقليل التركيز المفرط على "المظهر الخارجي"، لخلق توازن في تقدير الذات.
الأم كقدوة.. "الداعية الصامت"
لا يمكن تربية مراهق من خلال "النصح اللساني" فقط بينما الفعل يخالف القول. طرحت الورشة مفهوم الأبعاد الثلاثة لهدفية الوالدين:
الهدف للذات: يجب على الأم أن تهتم بصحتها، ونموها الشخصي، وروحانيتها. عندما يرى الأبناء أماً "تربي نفسها"، سيحترمون نصيحتها تلقائياً.
الهدف للعائلة: السعي والتخطيط من أجل استقرار الأبناء وسعادتهم.
الهدف للقيم: الثبات والعمل من أجل المبادئ العليا.
محاربة الازدواجية: المراهق يمتلك "رادارات" دقيقة للنفاق. إذا رأى ازدواجية في تصرفات والديه (كالكذب أو الحسد)، سيعتبر الانحراف مباحاً. لذا، فإن "تشذيب النفس" من الأمراض الأخلاقية هو أول خطوة في تربية الأبناء.
الهوية الدينية.. بناء الحصن الداخلي
اختتمت الورشة بمحور عقائدي عميق، يرى في الدين احتياجاً فطرياً:
الفطرة المعرفية: استناداً لقول الإمام الباقر (ع)، يولد الإنسان وعلى فطرته معرفة الخالق، والوالدان هما من يوجهان هذه الفطرة.
المنهج النبوي في التربية: "أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب أهل بيته، وتلاوة القرآن".
ثنائية الظاهر والباطن: شبهت الأستاذة معاش "الشعائر الظاهرية" بقشرة "البطيخ"؛ فهي التي تحمي البذور (العقيدة) في الداخل. لا يمكن الاكتفاء بالباطن دون الظاهر، فكلاهما يحفظ الآخر.
التحذير من فخ الشبهات: في عصر الانفتاح، لا بد من تثبيت العقائد بالأدلة واليقين، والابتعاد عن الرؤية النفقية الضيقة، مع ضرورة طلب المعرفة الدينية بتفهم وتعلم واعٍ.
إن الهوية الأسرية الحقيقية تعني أن يفتخر الابن بوالديه، بحيث لا يقبل أن يحل محلهما أي بديل في هذا العالم. وللوصول إلى هذه المرحلة، لا بد من توفير: الإحساس بالأمان، والمقبولية، والمحبوبية، والإحساس بالانتماء.
وكما أشار الكتاب المرشح خلال الورشة "الجيل المضطرب" للكاتب جوناثان هايت، فإن التحديات كبيرة، لكن بالوعي والمبادرة والتربية الحديثة المستلهمة من الأصالة، يمكننا أن نصنع جيلاً لا خوف عليه ولا هو يحزن.
والجدير بالذكر أن جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تهدف إلى توعية وتحصين المرأة ثقافيا لمواجهة تحديات العصر والعمل على مواجهة المشاكل التي تواجهها وإعداد العلاقات التربوية الواعية التي تعنى بشؤون الأسرة وكذلك دعم ورعاية الطفولة بمايضمن خلق جيل جديد واعٍ.








اضافةتعليق
التعليقات