أقامت جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية برنامجها الخاص بالمتزوجين باستضافة سماحة السيد هادي المدرسي (دامت توفيقاته) في ندوة تحت عنوان (من أنا إلى نحن: فن الشراكة الزوجية) وهو برنامج خاص للأزواج. يوم الجمعة الموافق 11/5/2026 في مقر الجمعية الكائن في مدينة كربلاء المقدسة.
استهل سماحته المحاضرة بتسليط الضوء على الأطوار الطبيعية التي يمر بها الإنسان في رحلته الوجودية والنفسية، مبيناً أن الطفل يولد وهو يستشعر مركزية مطلقة، حيث يظن أن الكون بأسره مسخر لخدمته، ويتعامل مع أبويه كخادمين ملزمين بالاستجابة الفورية لرغباته، ويغضب إن استعصى عليه ذلك.
ومع تقدم العمر، يبدأ الطفل في اكتشاف وجود إرادات وعواطف أخرى مغايرة لإرادته. وتطرق سماحته إلى ظاهرة "العرامة" أو ما يعرف بالعامية بـ"الشيطنة والوكاحة"، مؤكداً أنها سلوك مستحب ومطلوب في الطفولة؛ لأنها تمثل تمريناً أولياً يؤهل الطفل لمواجهة صراعات المجتمع وجدالاته مستقبلاً، وغالباً ما يستحيل الطفل الحرك في صغره إلى إنسان عاقل وناضج بشكل أسرع.
مراتب الارتقاء: من الأنانية إلى التوحيد
أوضح سماحة السيد المدرسي أن الإنسان يبدأ من نقطة "الأنا" وحب الذات، ثم يتطور ليكتشف مرحلة "نحن"، وهي الدائرة الضيقة التي تشمل الأبوين، والعشيرة، والطائفة. بيد أن الوقوف عند هذه المرتبة يمثل حالة من "التكلس النفسي" الذي يجعل الإنسان يرى الحقوق حكراً على جماعته دون بقية البشرية. ولذا، فإن الانتقال الحقيقي يكمن في العبور من "نحن" إلى "هُم"، عبر التفكير في الآخرين الذين لا تربطنا بهم مصلحة أو معرفة مباشرة.
وقد ضرب سماحته مثلاً بأولي العزم من الرسل الذين بلغ عددهم خمسة أنبياء من بين 124 ألف نبي، حيث منحهم الله عزيمة استوعبت البشرية جمعاء، فتجاوزوا حدود الذات الضيقة إلى آفاق الإنسانية. وأشار إلى أن المرتبة الأسمى هي الانتقال من "هُم" إلى "هُو" (رب العالمين). وتكمن المشكلة الكبرى في بقاء بعض البشر في طور الطفولة النفسية رغم نمو أجسادهم، فيسعون إلى استعباد الآخرين، مصداقاً لما كان ينقله السيد الوالد (رحمه الله): "كل نفسٍ أضمرت ما أظهر فرعون" من حب السيطرة والأنفة وهي آفة الغرور التي تدمر المجتمعات.
استشهد سماحته بتجربته في مدينة البحرين، حين واجه ظاهرة انتشار المخدرات والمؤامرات السجنية التي كانت تستهدف وعي الشباب وتدفعهم نحو الإدمان لقطع صلتهم بالحقوق والسياسة.
وروى حواره مع أحد الأطباء من ذوي الثراء والشهادات العليا، والذي انزلق إلى إدمان مادة مهلوسة حتى انتهى به المطاف مشرداً في الشوارع وعند سؤاله عن شعوره تحت تأثير المخدر، أجاب بأنه كان يشعر كأنه "إله" يتحكم بالكون والنجوم والبشر.
وعقّب سماحته بأن هذا السلوك لا يقتصر على مدمني المخدرات، بل يمتد إلى ساسة وطغاة يرون أنفسهم فوق البشر، فيستبيحون الدماء والحروب، ويصفون الشعوب الأخرى بالحشرات والفيروسات التي تجب إبادتها. وذكر أن الحرب العالمية الثانية، التي أودت بحياة 70 مليون إنسان، اندلعت بسبب شعور الحزب النازي بالاستعلاء تحت شعار "ألمانيا فوق الجميع". وبيّن استناداً إلى مذكرات الضباط الألمان في كتاب "الأخطاء القاتلة"، أن هتلر أحجم عن غزو لندن رغم تفوقه الجوي المطلق؛ لأن الإرادة الإلهية تدخلت لكسر جموحه، مصداقاً لقول الإمام علي (عليه السلام): "عرفتُ الله بفسخ العزائم ونقض الهمم".
فالإنسان ليس كُلي القدرة، والكِبر هو أول ذنب عُصي الله به حين استكبر إبليس مُدعياً أفضليته العنصرية القائمة على المادة.
بناء السعادة الزوجية: السعي لا التمني
انتقل سماحة السيد إلى واقع العلاقات الزوجية، مؤكداً أن الأمور لا تستقيم بالتمنيات، فالقرآن الكريم يقول: (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ)، والأماني هي بضاعة الأحمق. فكما أن إعداد الطعام الناضج يتطلب تدابير ومقدمات دقيقة ووفرة في الأسباب، فإن إنجاح الحياة الزوجية يتطلب سعياً حثيثاً وتوفيراً لأسباب النجاح؛ فالإخفاق يقع بسبب خلل واحد، بينما النجاح يحتاج إلى تضافر عشرات الأسباب.
وانتقد سماحته السلوكيات الأنانية لبعض الأزواج الذين يتغاضون عن سنوات من الخدمة والطهي والاهتمام من قِبل زوجاتهم، ويثورون لأبسط خطأ غير مقصود كزيادة الملح أو البهارات في الطعام. وروى حادثة أصلح فيها بين زوجين في لندن حيث هجرت الزوجة (وهي أم لثلاث بنات مراهقات) منزلها بسبب تعرضها لضربة على يدها من قِبل زوجها الأكاديمي الصالح في مطعم بكربلاء. وبيّن سماحته للمرأة خطورة هدم هذه "الحضارة الصغيرة" (الأسرة) في بيئة مفتوحة ومليئة بالفتن كلندن من أجل نقص أو هفوة يمكن إصلاحها، كما يُصلح سقف البيت أو خلل السيارة. واتضح لاحقاً من الحوار مع الزوج أنه لم يتعمد ضربها، بل أزاح يدها بسرعة لحماية عباءتها من السقوط في الطعام، وتمت معالجة الإشكال بالتي هي أحسن.
الإجابة عن الأسئلة الفقهية والاجتماعية
وفي القسم الثاني من الندوة، أجاب سماحته عن أسئلة الحاضرين وبيّن مايلي:
1. المسؤولية المالية في حال وظيفة الزوجين
أكد سماحته أن الزوجة لا تتحمل أي مسؤولية مالية تجاه البيت أو الأولاد أو الزوج، حتى وإن كانت مليونيرة والزوج معسراً. فالنفقة واجب شرعي مطلق على الزوج، وهي العلة في جعل نصيب الذكر في الإرث مثل حظ الأنثيين، نظراً للأعباء المالية الملقاة على عاتقه.
2. التعامل مع عناد الزوج وعصبيته
أوصى سماحته بالصبر والحكمة والكلمة الطيبة لامتصاص الغضب، مستشهداً بقصة رمزية لامرأة روّضت الذئاب لتأخذ من شواربها وصفة سحرية، فأخبرها الحكيم بأنها إن استطاعت ترويض السباع، فزوجها من بني البشر أولى بالترويض بالمعاملة الحسنة وتجنب مقابلة العصبية بالعصبية. فالعلاقات الإنسانية تقوم على مبادئ "أعطِ من حرمك، وصِل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك".
3. طلب الاستقلالية في السكن
أوضح سماحته أن طلب الزوجة السكن في شقة مستقلة واسعة بدلاً من السكن الضيق مع أهل الزوج لا يعد أنانية، بل هو أمر مشروع ومستحب، مستدلاً بالحديث الشريف: "من سعادة المرء الزوجة المطيعة، والدار الوسيعة، والداية السريعة"، شريطة ألا يدفع هذا الطلب الزوج إلى الكسب الحرام أو قطيعة أهله، وأن يتم الترتيب بالتفاهم والرفق.
4. التعامل مع الزوج المقصر في الصلاة
نهى سماحته عن استخدام أساليب الإكراه أو الإيذاء كقطع التبريد أو سكب الماء لإيقاظ الزوج؛ لأن ذلك يورث العناد، ويجعل الصلاة مجرد إسقاط فرض ناشئ عن الخوف من المخلوق لا الخالق؛ واستشهد برواية أنه كان رجل يسرع في صلاته أمام الإمام علي (عليه السلام)، فلما ألزمه بتقويمها قال الرجل إن صلاته الأولى كانت أفضل لأنها كانت لله، وهذه لخوف العصا. وأكد أن دور الزوجة هو النصح بالتي هي أحسن والرفق والدلال لإعانته على الطاعة.
5. نصيحة للمقبلين على الزواج عند الخلاف
شدد سماحته على أن الاختلاف أمر طبيعي وصحي في الحياة، وهو بمثابة الملح في الطعام، فالناس لم يُخلقوا بنظام النسخ المتطابق، بل لكل ذوقه ورأيه، والمؤمن يأكل بشهية أهله والمنافق يأكل أهله بشهيته. ونَصّت التوجيهات على ضرورة الاهتمام بإصلاح النفس أولاً لإصلاح الطرف الآخر، وحل الخلافات بالاعتذار المتبادل والأخلاق الرفيعة.
6. مسؤولية تربية الأبناء الذكور
بيّن سماحته أن 80% من مسؤولية تربية الأبناء تقع على عاتق الأب، بينما تقتصر مسؤولية الأم على الـ20% المتبقية المرتبطة بمرحلة الرضاعة والحضانة الأولى، مستنداً إلى "رسالة الحقوق" للإمام زين العابدين (عليه السلام). وحذر الآباء من ممارسة سلوكيات خاطئة كالكذب أو التمرد أمام الأبناء ثم مطالبة الأبناء بالاستقامة.
7. الخلاف حول مكان السكن بين مدينتين
أشار سماحته إلى أن رأي الزوج هو المقدم شرعاً في تحديد مكان السكن لقوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)، ما لم يكن هناك شرط مسبق في عقد النكاح يلزم الزوج بمكان محدد. ودعا إلى حل هذه الإشكاليات بالتراضي والتفاهم المشترك، كتقسيم الوقت بين المدينتين دون وقوع ظلم على أي طرف، عملاً بالقاعدة: "لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمون"."
اختتم سماحة السيد هادي المدرسي الندوة بالدعاء للمؤمنين والمؤمنات، موصياً الحضور ألا تنتهي مفاعيل هذه الكلمات بمجرد مغادرة المجلس، بل يجب أن تنعكس تغييراً حقيقياً وملموساً في سلوكياتهم داخل بيوتهم، متجاوزين العادات القديمة وحب الذات لبناء حياة زوجية مستقرة وقائمة على طاعة الله تعالى.









اضافةتعليق
التعليقات