«عِبادَ اللهِ، زِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، وَحاسِبُوها قَبْلَ أَنْ تُحاسَبُوا، وَتَنَفَّسُوا قَبْلَ ضِيقِ الْخِناقِ، وَانْقادُوا قَبْلَ عُنْفِ السِّيَاقِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعِنْ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظٌ وَزَاجِرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا زَاجِرٌ وَلَا وَاعِظٌ»
تنطلق هذه الكلمات العلوية الشريفة لترسي دستوراً خالداً في فقه السلوك الإنساني، وتقفز فوق حدود الزمن لتخاطب الإنسان في كل عصر، وتحثه على إقامة محكمة داخلية قوامها المسؤولية واليقظة. إنها دعوة صريحة لاستباق الرحيل الكبير بإصلاح المسير، وتنبيه بليغ إلى أن الذات البشرية إن لم تمسك بزمام التقوى، انجرفت في مهاوي الهوى.
وفي ظل التحولات العاصفة والمنحدرات القيمية التي نشهدها اليوم، تتضاعف الحاجة إلى تدبر هذا المنهج العميق لزجر النفس الأمارة بالسوء.
أولاً: طبيعة العصر ومنحدرات الفتنة الاستهلاكية
يعيش إنسان العصر الراهن في بيئة مشحونة بالمغريات، حيث تداخلت المفاهيم وانفتحت أبواب الشهوات على مصاريعها عبر الفضاءات الرقمية والواقعية على حد سواء. لم تعد الفتنة خفية أو بعيدة، بل أصبحت تلاحق المرء في خلوته وجلوته، وتدعوه إلى التحلل من قيمه الرصينة تحت مسميات "الحرية الفردية" أو "المعاصرة".
في خضم هذه الانجرافات، تتعرض النفس البشرية لعملية ضخ مستمر للأهواء، مما يوجب على العاقل أن يكون أكثر حذراً ويقظة، كي لا تستبد به أمارته وتقوده إلى حتفه المعنوي والأخلاقي.
ثانياً: فلسفة الميزان الذاتي والمحاسبة الاستباقية
يضع الإمام (عليه السلام) يدنا على المفتاح الأول للنجاة: «زِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا». هذه المحاسبة الاستباقية تعني أن يجلس المرء مع نفسه جلسة الشريك الشحيح مع شريكه، فيستعرض خطواته وأفكاره ونواياه، ويزنها بميزان الحق والعقل. إن غياب هذا الميزان الداخلي يجعل الإنسان عرضة للتأثر بأي موجة عابرة، بينما تضفي عليه المحاسبة حصانة تمنعه من السقوط في مستنقعات التبعية العمياء للشهوات والآراء الوافدة.
ثالثاً: الزاجر الداخلي وسقوط الرقابة الخارجية
الركيزة الأهم في المقطع الشريف تتجلى في قوله: «من لم يعن على نفسه حتى يكون له منها واعظ وزاجر لم يكن له من غيرها زاجر ولا واعظ». يمثل هذا التصريح قمة الفلسفة الأخلاقية؛ فالرقابة الخارجية مهما بلغت دقتها وحزمها (سواء أكانت رقابة جماعة، أم قوانين وضعية، أم أعرافاً اجتماعية) تظل عاجزة عن ضبط السلوك البشري في لحظات الخلوة والاضطرار.
إن الوازع الداخلي النابع من الإيمان وتقوى الله والوعي الحقيقي بالمصير هو المحور الذي يدور عليه صلاح الإنسان. إذا مات هذا الوازع، صارت المواعظ الخارجية مجرد جلبة لا تصل إلى عمق النفس، ولا تغير من واقع المرء شيئاً.
رابعاً: آليات عملية لزجر النفس في زمن الانجراف
لترجمة هذا المنهج العلوي إلى واقع معيش وسط غمرة التحديات، لابد للإنسان من سلوك مسارات عملية واضحة:
تعزيز الخلوة الفكرية: الاقتطاع الدوري لأوقات يخلو فيها المرء بنفسه بعيداً عن ضجيج وسائل التواصل ومشتتات الحياة، لإعادة تقييم الأهداف وترتيب الأولويات.
تدبر المآلات والعواقب: قبل الإقدام على أي فعل، تنفيذاً لتوجيه الإمام بـ «الانْقِيادِ قَبْلَ عُنْفِ السِّيَاقِ»، حيث ينبغي للإنسان أن يتأمل نهاية الطريق الذي تسوقه إليه شهوته، وهل سيورثه ندامة لا تنفع معها حسرة؟
الاستعانة بالصحبة الصالحة والبيئة النقية: فالنفس لاحظة ومتأثرة بما حولها، والابتعاد عن مواطن الشبهات يقلل من العبء النفسي المطلوب للكبح.
خاتمة: الاستباق قبل ضيق الخناق
إن العيش في زمن المنحدرات ليس مبرراً للاستسلام والتماشي مع موجات الفساد والانحلال، بل إن فيه تعظيماً لأجر المجاهد لنفسه. لقد منحنا الإمام (عليه السلام) فرصة للتنفس «قَبْلَ ضِيقِ الْخِناقِ»، ومادام في العمر بقية، فإن خيار العودة والضبط والإصلاح مازال ممكناً. لنكن نحن المواعظ لأنفسنا، ولنقدها بحكمة ونزجرها بقوة، حتى نصل بها إلى بر الأمان ونحن مرفوعو الرأس، ثابتو الخطى.








اضافةتعليق
التعليقات