تمر بالنفس الإنسانية فصولٌ شتاً، لا تصفو لها سماءٌ على الدوام، ولا يدوم في ربوعها ربيع دائم، فبين عشية وضحاها قد يجد المرء نفسه غارقاً في ضباب كثيف من الفتور والملل، أو رازحاً تحت وطأة غيمة سوداء من الحزن والشرود، في تلك اللحظات الرمادية حيث تبدو الواجبات اليومية الكبيرة كالجبال الشاهقة التي يستعصي تسلقها، ويفقد الشغف بريقه المعهود، وتتثاقل الخطى حتى يصبح مجرد التفكير في الإنجاز عبئاً ينوء به الوجدان.
إنه ذلك الشعور الثقيل الذي يزحف إلى الروح حين تنهكها دروب الحياة، أو تجرع مرارة الانكسارات والآلام واحداً تلو الآخر، حتى يفقد المرء شغفه بكل ما هو حوله، فينتظر الليل لعله يسكن، دون أن يملك طاقة لترقب شمس الغد، لكن الحقيقة التي يجب أن ندركها بوعي وعمق، هي أن هذه الفترات الرمادية ليست دليلاً على العجز، ولا صكاً بالفشل، بل هي صرخة صامتة من الجسد والروح يطالبان فيها بالهدوء، والتقاط الأنفاس، وإعلان هدنة مؤقتة مع صخب الحياة وفي مثل هذه الأيام الصعبة، تكمن الحكمة الأسمى في ألا نضغط على جراحنا، بل أن نبحث عن مرافئ آمنة، ومهام بسيطة ذات أثر عميق وخفيف، تعيد إلينا شعور الحركة والوجود دون أن تستنزف ما تبقى من طاقتنا الشحيحة.
إقبال القلوب وإدبارها: الدستور النفسي لأئمة الهدى
لم يترك أئمة الهدى (عليهم السلام) هذه النفس البشرية حائرة في دروب تقلباتها ومتاهات فتورها، بل وضعوا لها دساتير نفسية تفيض بالرحمة والواقعية، وفهم الطبيعة البشرية، ففي دستور أمير المؤمنين، الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، نجد بلسما شافياً يشخص هذه الحالة الإنسانية بدقة متناهية، حيث يقول: "إِنَّ لِلقُلُوبِ إِقبَالاً وَإِدبَاراً، فَإِذَا أَقبَلَتْ فَاحمِلُوهَا عَلَى النَّوَافِلِ، وَإِذَا أَدبَرَت فَاقتَصِرُوا بِهَا عَلَى الفَرَائِضِ."
وفي رواية أخرى تنبض بذات العمق النفسي والتربوي، يقول عليه السلام:
"إِنَّ هَذِهِ القُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الأَبدَانُ، فَابتَغُوا لَهَا طَرَائِفَ الْحِكَمِ."
إن هذه الكلمات الشريفة تمنحنا الترخيص الشرعي والإنساني الأعلى للرفق بأنفسنا، فالقلب حين "يدبر" ويصيبه الفتور، لا ينبغي قسره أو إجباره على معالي الأمور وصعاب الإنجازات، لأن الإكراه في حالات الانطفاء يورث العمى والنفور، بل يكفي النفس حينها الحد الأدنى الذي يحفظ اتصاله بالمبدأ (الفرائض)، مع ترويحه بـ "طرائف الحِكم" والجماليات اللطيفة التي تجدد نشاطه برفق، تماماً كما تريح جسدك المتعب لتستأنف السير غداً.
فلسفة "الزخم الهادئ": محركات صغيرة لرحلات الطوارئ
حين يتعطل المحرك الكبير للمركبة، لا بد من الاستعانة بالمحرك الاحتياطي الصغير ليبقى المركب سائراً ولا يغرق في لجة الركود، هذه هي فلسفة "الزخم الهادئ"، مهام صغيرة جداً بفوائد نفسية عظيمة لا تتطلب طاقة ذهنية، لكنها تعيد ترميم الصلة بالواقع، إليك قائمة المهام الهادئة وهي ملاذات غير عاجلة، لكنها تمنح النفس شعوراً فورياً بالترتيب، والسيطرة، والمتعة البسيطة، ويمكنك اللجوء إليها في أوقات الانطفاء:
1. الترتيب البصري: إعادة الحياة إلى الزوايا المنسية، الفوضى الخارجية غالباً ما تعكس وتعزز الفوضى الداخلية في عقولنا في أوقات الضيق، لا تحاول ترتيب البيت بأكمله أو حل مشكلات حياتك الكبرى، بل اختر مكاناً صغيراً جداً، كترتيب رَفٍ واحد أو درج صغير، نظم مكتبتك الوجيزة، رتب الكتب أبجدياً أو حسب تناسق الألوان، إعادة البريق للأشياء، امسح الغبار عن تحفة قديمة مهملة، وتأمل كيف يعود إليها رونقها بلمسة بسيطة منك أو حتى التطهير الرقمي تصفح صندوق الرسائل الواردة في بريدك الإلكتروني، واحذف الرسائل غير الهامة هذا الفعل البسيط يمنح العقل إيحاءً بالتخلص من العبء المتركم.
2. الاتصال بالطبيعة والجمال الملموس:
الجمال هو الترياق الأنقى الذي يغسل الروح برفق دون وعيد أو صخب، مثل رعاية الحياة الصغيرة اسقِ شتلة منزلية صغيرة، وامسح أوراقها بلطف من الغبار، واستشعر حركة الحياة النامية فيها، أعد كوباً دافئاً من الشاي بالنعناع أو القهوة، وراقب تصاعد البخار منه بهدوء وتأمل، دون الاستسلام لإغراء تصفح الهاتف عش اللحظة بكامل حواسك، أو حتى الاهتمام بالذات قلم أظافرك أو اعتنِ بجمال وهدوء تفاصيلك الشخصية إنها رسالة غير مباشرة لوعيك بأنك ما زلت تستحق الرعاية.
3. التغذية الفكرية غير المجهدة:
عندما يعجز العقل عن استيعاب المجلدات والنظريات المعقدة، غذِه بجرعات صغيرة خفيفة، كالارتشاف الأدبي اقرأ صفحة واحدة فقط من كتاب مصور، أو بيتاً من ديوان شعر تحبه ويلامس وجدانك، أو حتى الاستماع الواعي استمع إلى مقطع صوتي قصير يتحدث عن جماليات الطبيعة، أو يسرد قصصاً تاريخية ملهمة تأخذك بعيداً عن واقعك اللحظي، كذلك امتنان النعم الوجيزة دون ثلاث نعم بسيطة جداً في دفتر مذكراتك (وجود سقف يحميك من تقلبات الجو، عافية في بصرك تقرأ بها هذه الكلمات، أو صديق صادق يسأل عنك)، فالامتنان في أوقات الضيق يضيء عتمة النفس والتفاصيل الصغيرة التي نعتادها هي أعظم النعم حين ننظر إليها بعين الامتنان التي تضيء عتمة النفس."
في النهاية إن الاعتراف بالضعف الإنساني والفتور هو أولى خطوات القوة، فلا تقسُ على قلبك إن أدبر، ولا تجلد ذاتك إن خبا وهج شغفها، فالموج يرتد إلى الوراء ليجمع قوته ويهجم من جديد، فعش فترتك الرمادية برفق وصبر، متدثراً بالحكمة العلوية العظيمة، واعلم أن هذه الغيمة سرعان ما ستنقشع، لتشرق شمس نفسك من جديد، بأمل أبهى، وشغف أنقى، وأكثر نضجاً.








اضافةتعليق
التعليقات