في زحمة الحساب، وحين تخرس الألسن وتتعلق الأبصار بشواخص المصير، تُنصب الموازين القسط ليوم القيامة، هناك حيث يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه، وتُصبح الحسنة الواحدة طوق نجاة وسط بحور من الخوف، لا تفتش الأرواح عن كثرة الركوع وحسب، ولا تقف عند مجرد صور الأعمال الإجرائية، بل تبحث عن الثقل الحقيقي الذي يزن الكفة ويرجحها بالرحمة، وفي تلك اللحظة المفصلية، تشرق كلمات النبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله) كنور يضيء غياهب الذهول: "ما يُوضع في ميزان امرئ يوم القيامة أفضل من حُسن الخُلُق".
إنّ حسن الخلق ليس مجرد ردة فعل، ولا ابتسامة بروتوكولية نرتديها في المناسبات، إنه زهد الروح في الأذى، وجهاد النفس ضد طغيان الكبر، وصياغة الوجدان ليكون انعكاساً للرحمة الإلهية في الأرض، هو أن تتسع روحك لأعذار الخلق حين تضيق صدورهم، وأن تغسل قلبك في كل ليلة من غبار الحقد والضغينة، وأن تمشي بين الناس كالغيث، لا يحل بقعة إلا وازهرت وأخرج نباتها، فلقد جعل الله تعالى الأخلاق العالية هي الذروة والغاية من بعثة أنبيائه، فما امتدح نبيه الخاتم لكثرة قيامه ولا بطول صيامه، وإنما أثنى على جوهر روحه قائلاً: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ، ليكون الخُلق العظيم هو الوثيقة الإلهية الخالدة لشرف الإنسانية.
فحين تكظم غيظاً قادراً على إحراق من حولك، وحين تصفح عمن أساء إليك وأنت قادر على الرد، وحين تلين جانبك لمن قسا عليك، فأنت لا تمارس ضعفاً، بل تجسد أعظم درجات القوة والسمو البشري، إنك حينها تشتري ما عند الله وتثقل كفة ميزانك بذهب الروح لا بهرج الكلام، وقد رسم القرآن الكريم صورة هذه الأرواح السماوية حين قال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
إنهم المحسنون الذين ترفعوا عن أنانية الذات، فاستحقوا محبة القاهر فوق عباده، فتخيل نفسك في ذلك اليوم العصيب، وقد أُحضرت صحيفتك، ووقفت تنتظر حركة اللسان في الميزان، فإذا بكل كلمة طيبة أعتقت بها قلباً مكسوراً، وبكل تبسم في وجه حزين، وبكل صبر على أذى جاهل، يتحول إلى أنوار تتلألأ في كفتك، ترجح بها الكفة على نحوٍ لم تكن تتخيله صلاةٌ نافلة ولا صيامُ هجير وتتساقط ذنوبك خوفاً من ثقل خُلقك، وتتراجع سيئاتك خجلاً من رحمةٍ كنت تمنحها لعباد الله في دار الفناء. فإن الخُلق الرفيع هو البصمة الوحيدة التي لا تمحوها السنون، والعطر الذي يبقى في الأزقة حتى بعد أن يرحل العابر، فالدنيا أقصر من أن نضيعها في الخصومات، وأضيق من أن نملأها بالضغائن، فاجعل من قلبك محراباً للسلام، ومن لسانك بلسماً لجراح الآخرين، فحين تجف الأقلام وتُطوى الصحف، وتتلاشى كل مظاهر الدنيا، لن يتبقى لك في عتمة القبر وهول الموقف شفيق ولا شفيع أثقل ولا أبهى من قلبٍ عاش في الدنيا طاهراً، ورعى عباد الله صابراً، ورحل إلى ربه بعاطر الخُلق ورضوانٍ من الله.








اضافةتعليق
التعليقات