في عمق الكائن البشري سر خفي لا يهدأ، ونبض مستمر لا يكف عن الحركة، فالإنسان ليس وعاءً فارغا ينتظر الفناء، بل هو كيان حيوي يتنفس الوجود في كل لحظة، كل نظرة يلتقطها، وكل كلمة يستمع إليها، وكل فكرة يستضيفها في خاطره، تتحول دون أن شعر إلى بذرة حية تثمر في بواطن حياته وظواهرها، إنه الحاضنة الكبرى للمعاني، والمرآة التي تعكس جمال العالم أو قبحه، وما سلوك الإنسان في واقعه أو كلماته التي ينطق بها إلا صدى صادق لما يملأ به حواسه وعقله فالروح تتغذى كما يتغذى الجسد، ولكن غذاءها أعظم أثرا وأبقى خلودا.
جوهر المدخلات وأثرها في صياغة الوعي
إن الفكرة الأساسية التي يقوم عليها وجودنا النفسي تتلخص في أن السكون المطلق في النفس أمر مستحيل، فالإنسان لا يعيش في شبه جزيرة منعزلة، بل هو في حالة جذب ودفع دائمين، يستقبل المعلومة والمشهد، والمشاعر، ثم يقوم في أعماقه بإعادة تدويرها وصياغتها لتخرج في صورة مواقف وسلوكيات تشكل ملامح الحياة من حوله، ومن هنا يتبين أن المعركة الحقيقية التي يخوضها المرء كل يوم ليست مع الأفعال الظاهرة التي تصدر عنه حينما يواجه المواقف، بل مع المصادر الأولى التي يمنحها حق الوجود والسيادة في عقله وقلبه.
فالأفعال ما هي إلا نتاج طبيعي لتلك المواد الخام التي سمحنا لها بالعبور من منافذ الوعي، وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه قال: «إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها»، مشيرا في هذا الحديث العظيم إلى أن القلب والعقل وعاءان لا بد لهما من أن يمتلئا، واللبيب الذكي هو من ينتقي النفيس ليضعه في وعائه، مدركا أن ما يدخل الوعاء يحدد طبيعة الإناء، وحينما يغفل المرء عن حراسة منافذه الحسية والفكرية، تستسلم نفسه لكل طارق فالرأي الفاسد، والكلمة المسمومة، والمشاهد التي تحط من قيمة الإنسانية، كلها تتسرب في الخفاء لتبني عقلية مشوهة تنتج بعد ذلك أعمالًا لا تشبه الجمال ولا تمت للحق بصلة، فالأفعال السلوكية لا تولد من عدم، إنما هي الظل الظاهر لشجرة غرست جذورها في أعماق الوعي عن طريق التغذية اليومية المتواصلة.
ومن وحي أهل البيت ورد عن الإمام الحسن بن علي (عليهما السلام) أنه قال: «عجبا لمن يتفكر في مأكوله كيف لا يتفكر في معقوله! فيجنب بطنه ما يؤذيه، ويودع صدره ما يرديه»، إنها لفتة أدبية وفلسفية بالغة العمق إذ يستغرب الإمام من حرص الإنسان الشديد على سلامة ونظافة طعامه الجسدي، في حين أنه يتساهل في قبول الأفكار والمعارف التي تفكك منظومته القيمية وتفسد روحه وعقله، وإن هذه المقارنة الخالدة تضعنا أمام مسؤولية أخلاقية ومعرفية، حتميتها أن التدقيق في "المعقول" أولى بالاهتمام وأشد خطورة من الانتقاء في "المأكول".
لأن فساد البدن ينتهي بالجسد، بينما فساد العقل يمتد ليشوه الهوية ويورث الشقاء النفسي والروحي، وإن مسؤولية الإنسان في هذا الوجود تتجلى في قدرته على إعادة تشكيل الواقع عبر استقامة منطلقاته فحينما يكون المنطلق المعرفي والروحي نقيا، تكون البصمة في هذا العالم مشرقة، بينما حين يعتمد الإنسان على مصادر كدرة، يكون نتاجه إشاعة للفوضى والظلام.
وفي هذا الصدد، يوجهنا الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) إلى المركز الاستراتيجي لصنع الهوية، إذ يقول: «القلب حرم الله، فلا تسكن حرم الله غير الله»، فحينما يمتلئ هذا الحرم الإلهي بكل ما هو خير ونبيل، يغدو المنعكس الإنساني فيضا من الرحمة، والعطاء، والبناء، والتسامي، و إن حراسة حرم القلب ليست معزلاً عن الواقع، بل هي الاستعداد الأكمل لمواجهته بعقل متزن ونفس مطمئنة. والحقيقة التي لا بد أن نستقر عليها هي أن صيانة النفس تبدأ من ضبط الحواس، واختيار صحبة الكتب، والمفاهيم، والأشخاص فالبيئة التي نختارها لأنفسنا اليوم هي التي تصوغ مفردات لغتنا ومساحة أحلامنا غدا، وإننا بحاجة إلى ممارسة "الحمية الفكرية" بقدر حاجتنا إلى الحمية الجسدية، فكما أن السموم البطيئة تنهك الجسد دون أن يشعر، فإن التغذية الفكرية الهابطة تسلب النفس ألقها، وتطفئ نور البصيرة فيها. لذلك فلنحسن الاستقبال لكي نجيد الإرسال، ولنعلم أن كل طاقة نمنحها لعقولنا اليوم ستعود غدا لتبني المدينة التي نعيش فيها، أو لتهدم آخر جسور التواصل الإنساني، فكن حريصا على مصادرك، يبرق عالمك بالجمال والتألق.








اضافةتعليق
التعليقات