تتقدم الأبحاث العلمية خطوة جديدة نحو فهم مرض التصلب المتعدد، أحد أكثر الأمراض العصبية المزمنة المسببة للإعاقة شيوعًا بين الشباب والبالغين، بعدما كشفت دراسات حديثة عن مؤشرات ترتبط بتطور المرض واستمرار الضرر العصبي لدى المصابين به.
ويصيب التصلب المتعدد نحو 3.1 مليون شخص حول العالم، ونحو مليون شخص في الولايات المتحدة، ويظهر غالبًا بين سن العشرين والأربعين، كما تسجل الإصابة به معدلات أعلى بين النساء مقارنة بالرجال.
ويصنف المرض ضمن اضطرابات المناعة الذاتية، إذ يهاجم الجهاز المناعي عن طريق الخطأ غمد «الميالين» الذي يغلف الألياف العصبية ويحميها. ويؤدي تلف هذه الطبقة العازلة إلى اضطراب انتقال الإشارات العصبية بين الدماغ وأجزاء الجسم المختلفة، ما قد يسبب مشكلات في الحركة والإحساس والتوازن والرؤية والقدرات الإدراكية.
ويشبّه الباحث في جامعة ستانفورد ويليام روبنسون ما يحدث في الجهاز العصبي عند الإصابة بالتصلب المتعدد بنزع المادة العازلة عن الأسلاك الكهربائية، إذ تصبح الإشارات أكثر بطئًا وأقل قدرة على الوصول بصورة طبيعية إلى وجهتها.
بؤر مزمنة ترتبط بتفاقم الإعاقة
ومن أبرز الخيوط التي تركز عليها الأبحاث الحديثة ما يعرف بالبؤر العصبية المزمنة النشطة داخل الدماغ.
فقد أظهرت دراسة قادها باحثون في المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية أن زيادة عدد هذه البؤر ترتبط بارتفاع مستويات الإعاقة الجسدية والإدراكية لدى مرضى التصلب المتعدد.
وشملت الدراسة 192 مصابًا، وتبين أن أكثر من نصفهم كانت لديهم بؤرة مزمنة نشطة واحدة على الأقل، في حين ارتبط وجود أربع بؤر أو أكثر باحتمال أعلى للإصابة بالشكل المترقي من المرض، إلى جانب ظهور مشكلات حركية وإدراكية في مراحل عمرية أبكر.
وتعزز هذه النتائج فرضية أن الالتهاب المستمر داخل الدماغ لا يمثل مجرد أثر جانبي للمرض، بل قد يكون أحد المحركات المهمة لاستمرار تلف الأعصاب وتفاقم الإعاقة مع مرور الوقت.
فيروس إبشتاين-بار يعود إلى دائرة الضوء
وفي اتجاه بحثي آخر، تتزايد الأدلة حول وجود علاقة بين فيروس إبشتاين-بار والتصلب المتعدد.
وأشارت دراسة حديثة نشرت في دورية «Nature Medicine» إلى أن تأثير الفيروس قد لا يقتصر على المساهمة في بدء المرض، بل يمكن أن يمتد إلى المراحل اللاحقة أيضًا.
ووفقًا للباحثين، فإن إعادة تنشيط الفيروس داخل الجسم قد ترتبط بحدوث انتكاسات لدى بعض المرضى، وهو ما يفتح المجال أمام احتمال تطوير علاجات تستهدف الفيروس نفسه أو الخلايا البائية التي يرتبط بها.
وقد يصبح هذا المسار البحثي مهمًا بصورة خاصة في محاولات تقليل عدد الانتكاسات وإبطاء تطور المرض مستقبلاً.
هل أصبح سبب التصلب المتعدد معروفًا؟
رغم هذه النتائج، لا يزال العلماء بعيدين عن تحديد سبب منفرد يمكن اعتباره المسؤول الوحيد عن ظهور التصلب المتعدد.
وتشير الصورة العلمية الحالية إلى أن المرض قد ينتج عن تفاعل عدة عوامل في الوقت نفسه، من بينها الاستعداد الوراثي، واضطراب استجابة الجهاز المناعي، والالتهابات المزمنة داخل الجهاز العصبي، إلى جانب عوامل بيئية وعدوى فيروسية محتملة، وفي مقدمتها فيروس إبشتاين-بار.
ولا تعني هذه الاكتشافات أن لغز التصلب المتعدد قد حُلَّ بالكامل، لكنها تساعد العلماء على فهم المراحل التي يتطور من خلالها المرض بصورة أدق.
وقد يكون الأثر الأهم لهذه الأبحاث هو الانتقال مستقبلًا من الاكتفاء بالسيطرة على الأعراض والانتكاسات إلى استهداف الآليات التي تسمح باستمرار الالتهاب وتلف الأعصاب، وهو ما قد يفتح الباب أمام علاجات أكثر قدرة على إبطاء تقدم المرض والحد من الإعاقة لدى المصابين به.








اضافةتعليق
التعليقات