جاء الإسلام بمنهج حياتي متكامل للدين والدنيا، ولجميع أنظمة المجتمع، وجوانب شخصية الفرد المسلم، يستند على منظومة إيمانية خلقية تربوية هادفة، تلازم الإنسان منذ أن كان نطفة في رحم أمه إلى أن يحين أجله، ولحظة موته وخروجه من هذه الدنيا.
أكد هذا المنهج على أهمية السنوات الأولى من عمر الإنسان، وأحاطها بالرعاية الشاملة، عبر مراحل نموها المتواصل، وتطورها الزمني حتى قبل أن يولد الإنسان؛ إذ شدد هذا المنهج ورغب في حسن اختيار الزوجة الصالحة ذات الدين والخلق القويم، عند تفكير الشاب وشروعه في الزواج.
وحرص الإسلام على إيجاد مجموعة الأجواء النفسية الهادئة، والتغذية الصحية، والرعاية الاجتماعية السليمة للأم في مرحلة الحمل؛ حفاظاً على صحتها وصحة الجنين، ومن مظاهر هذا الاهتمام أن التربية الإسلامية بينت كيفية التعامل مع الوليد منذ لحظة ولادته؛ فيؤذن في أذنيه، ويقام الصلاة ويحنك ويقص شعره في اليوم السابع ويعق عنه، ويختار له اسم جميل، و يحاط بالحنان والعطف والمودة والرحمة.
إذ يعد القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، المصدران الرئيسان فضلا عن المصادر الفرعية الأخرى، كالاجماع والقياس والاجتهاد الذين يشتق منهما التصور الإسلامي التربوي لمرحلة الطفولة، فهناك العديد من الآيات القرآنية، التي تحمل في مضمونها العديد من الدلالات والمعاني التربوية، في معرض اهتمامها بمرحلة الطفولة المبكرة، كقوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق، نحن نرزقهم وإياكم)، وقوله تعالى: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خيرٌ عند ربك ثواباً وخير أملاً).
وفي سيرة الرسول شواهد عديدة حاملة لمعنى الرعاية الصادقة لهذه المرحلة، وفيها لمحات تربوية ونفسية مليئة بالحنان والعطف على الأطفال؛ فقد كان كثيراً ما يداعب الأطفال الصغار ويتلطف معهم، وكان يقضي من وقت النبوة الثمين وقتاً للعب مع حفيديه الحسن والحسين (عليهما السلام) ويقبلهما وقال الذي قال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحداً منهم. فقال: (من لا يرحم لا يُرحم)، وهناك العديد من التوجيهات النبوية التربوية لمرحلة الطفولة، التي كانت عند مستوى إدراكها، وملبية لإشباع حاجاتها بأساليب سارة، ومراعاتها لجميع جوانبها، مع تركيزها على حاجة هذه المرحلة للعب، بل والمشاركة مع مشاعرها أثناء اللعب.
ويمكن الإشارة إلى بعض الأسس الجوهرية للتعلم في مرحلة الطفولة المبكرة المستخلصة من السيرة النبوية: (مداعبة الأطفال، احترام شخصية الطفل، العطف والرفق، الرياضة البدنية، الرسم والأشغال، تربية الحيوانات، الاهتمام بالجمال).
كما يظهر اهتمام التربية الإسلامية في مدى ما تلقيه من مسؤولية كبيرة على عاتق الأسرة في إكساب الطفل المعايير السلوكية التي أقرها الدين والمجتمع الإسلامي، ومن تلك المعايير أن يُعلم الطفل آداب الطعام، والمجالس، والحديث، وتحية الآخرين، وأساليب الاستئذان.
وفي مسار تطور التعليم بصورة عامة، نجد بعض مظاهر أشكال التعليم الأولى - الكتاتيب - المتناثرة بقلة قبل الإسلام، ثم أصبحت أكثر انتشاراً في ظل الإسلام، وقد دعا إلى وجودها ضرورات التوسع في نشر الدين، وتعليم اللغة العربية، وانتقال حال العرب من البداوة إلى الحضر، فضلا عن حث الدين الإسلامي على العلم والتعليم، وازداد إقبال الأطفال عليها خصوصاً من كانت أعمارهم بين الرابعة والخامسة وكان التعليم فيها على نوعين:
.۱ تعليم القراءة والكتابة، ومكانه في منازل المعلمين للأولاد دون سن السادسة.
.۲ تعليم القرآن ومبادئ الدين الإسلامي، ومكانه في المساجد للأولاد الأكبر سناً.
نلمح أبعاد التصور الإسلامي للعملية التربوية في الطفولة المبكرة، ويمكن الإشارة إلى ثلاثة أبعاد لهذا التصور:
١- البعد الروحي الأخلاقي: ويشتمل الاهتمام بالقيم السماوية ومنظومة الفضائل الحميدة التي من شأنها تعزيز نمط السلوك القويم وتعديله نحو الخيرية مع الله تعالى والمجتمع وذات الطفل.
٢- البعد التكاملي ويشتمل الاهتمام الشامل لجوانب شخصية الطفل الروحية والجسمية والاجتماعية والعقلية، فضلا عن الموازنة بين متطلبات الحياة الدنيا والآخرة وهذا ما افتقرت إليه تربية الطفل في كل العصور التاريخية.
٣- البعد الاجتماعي ويشتمل الاهتمام بعملية التنشئة الاجتماعية وتحقيق دينامية عمليات التفاعل بين الأطفال بما ينسجم وعادات المجتمع وتقاليده الاجتماعية.
وهذه الأبعاد النظرية للتربية في هذه المرحلة، هي محصلة مشتقة من منطلقات فلسفية إسلامية كبرى، حول طبيعة الإنسان و المجتمع والمعرفة، وهي منطلقات عامة يمكن تطبيقها على أي مجتمع، وتشمل قطاعات جزئية، تنضوي تحتها بصورة متداخلة، والمخططات الآتية توضح ذلك.
وفي ضوء ذلك استشراف أساس نظري إسلامي للتربية في رياض الأطفال؛ وبالتالي التوصل إلى منهج يمكن تعليمه للأطفال، وكيفية ذلك التعلم، والغاية منه، والطرائق المؤدية إليه، وإمكانية التحقق من حصوله في إطار من المنطلقات الإيمانية الهادية التي جاء بها الدين الإسلامي، وزكاها العقل وعززتها الخبرة الإنسانية.
يلاحظ مما سبق أن الطابع الديني، كان الغالب على تربية الأطفال في هذه المدة؛ حيث كانت المبادئ الدينية من الأمور الأساسية التي يهتم بها المربون في مرحلة الطفولة المبكرة؛ لكن لم تكن هناك مدارس رياض أطفال بالمعنى الصحيح لهذه الرياض، لا عند العرب المسلمين، ولا عند الأوربيين، ولكن الاهتمام بتربية الأطفال وإعدادهم للمراحل التالية، كان واضحاً عند العرب المسلمين بشكل خاص، حيث كانت الكتاتيب تقوم بهذه المهمة، فضلاً عن دور الأسرة، وذلك لما أولته الشريعة الإسلامية من حقوق راعت حاجات هذه المرحلة مثل حق الرضاعة والنفقة والتربية والتعليم والنسب والإرث.
أهداف التربية الإسلامية:
۱ - هدف ديني: علوم الدين والشريعة.
۲- هدف دنيوي: الإعداد للحياة ومتطلباتها ويتشابه في ذلك مع التربية الحديثة وعلوم الطب والهندسة والفيزياء والرياضيات والفلك… الخ.
٣- هدف العلم من أجل العلم: طلب العلم لذاته، ومن هنا فقد كانت التربية الإسلامية متفوقة.
ملامح التربية الإسلامية
١- التربية الإسلامية مسؤولية فردية (الفرد مطالب بتربية نفسه).
٢- تربية شاملة للجسد والروح والعقل.
٣- متدرجة مع الإنسان حسب مراحل نموه.
٤- متكاملة لا تقتصر على زمان ومكان.
ه- تربية عملية: تربط العمل بالعلم والنظري بالتطبيقي.
٦- كل إنسان فيها معلم ومتعلم، الصغير يتعلم والكبير يعلم والعكس.
٧- تربية قوامها الحرية والانفتاح وتعطي دورا للجماعة.
المناهج:
١- مناهج دينية أدبية/ للفقه والنحو وعلوم الكلام والعروض .
٢- مناهج علمية أدبية (علوم طبيعية وعلوم رياضية تشمل المنطق والفلسفة).
و يمكن تلخيص أسس التربية العربية الإسلامية للطفل بما يأتي:
١- تربية تكاملية للروح والعقل والجسد.
٢- تربية متوازنة بين متطلبات الدنيا والآخرة.
٣- تربية عملية لا تكتفي بالجانب النظري.
٤- تربية فردية تحث على الفضائل وتربية جماعية تقود إلى التعاون.
٥- تربية لضمير الإنسان ليكون رقيباً على السلوك والأفعال.
٦- تربية للفطرة وإعلائها، ووضعها على خط الاعتدال والوسطية.
٧- تربية مستمرة لا تبدأ ولا تنتهي عند مرحلة عمرية معينة.
٨- تربية أصيلة معاصرة مفتوحة على الأساليب الحسنة كلها في التوجيه و التعديل.


اضافةتعليق
التعليقات