من أقصى الحاضر، في زمن يسير فيه العالم كالأعمى في التيه، أبحث عن وجه النور بعيني، ولكني ولدت وفي صدري خفقة يتم لا تبرد، شيعية مفجوعة بك، وترثيك اليوم ليس كمن يقرأ حادثة في سفر قديم، بل كمن حضر المصاب لحظة بلحظة، وكأن الوحي انقطع بالأمس، وجنازتك تشيع الساعة في صدري، كيف أواجه هذا العالم القاسي بلا وجودك، كيف نقوم في الحاضر المثقل بالأوجاع، ونحن الذين فقدنا أعظم أب عرفته الأرض؟
يا أبتِ.. أنا يتيمتك التي تستذكرك في زمن الغربة، فهل تسمع أنين القلب من بين زحمة القرون؟
عند باب الحجرة المغمورة بالدموع، أراك غارقاً في حمى الموت المظلوم، تقاوم سمّاً سرى في جسدك الطاهر، تتلوى من شدة الألم وأنت الصابر المحتسب، حبيبتك وبضعتك الزهراء أم أبيها تكتوي بنار الوداع وتناديك بصوت يقطر دماً، في تلك اللحظة الحاسمة، حين اضطجعت في سكرات الرحيل، كنت تضم سر النبوة والولاية، كنت تنظر إلى علي أخيك ونفسك وتوصيه بالأمة، وتوصيه بفاطمة .
اليتم الشاهد على العصور
لم يكن موت رسول الأمة حادثاً عابراً في التاريخ، بل كان المفصل الذي انشطر عنده القلب، في تلك الثانية التي مالت فيها يده الكريمة، وارتفعت روحه إلى الرفيق الأعلى، انطفأت الشمس الحقيقية وبدأ ليل الأمة الطويل، فحين استشهد الرسول محمد صلى الله عليه وآله، هوى السقف الذي كان يحمينا من حر الفتن، كان يتماً شيعياً مبكراً، لا يتم من فقد الأب الذي يطعم الخبز، بل يتم من فقد الرحمة الإلهية المشهودة، فكيف نبكيك بعد مئات السنين وعلى أيها نبكيك، أعلى البضعة الزهراء، أم على محاريب الأئمة التي شهدناها تضخ بالدماء، أو تلك الأُمة التي أضحت بالعراء، دلنا يا خاتم الأنبياء كيف نعود إلى خيمتك الأولى فلو كنت بيننا لما جرى ما جرى.
وتتردد في روحي كلمات إمامنا علي أمير المؤمنين عليه السلام وهو يصف بدقة العاشق والعارف بحقيقة الخسارة هذه حين وصف مدى ألم المصيبة في نفسه الطاهرة على رسول الله (صلى الله عليه وآله): "بأبي أنت وأمي لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والأنباء وأخبار السماء خصصت حتى صرت مسليا عمن سواك، وعممت حتى صار الناس فيك سواء، ولولا أنك أمرت بالصبر، ونهيت عن الجزع لأنفدنا عليك ماء الشؤون ولكان الداء مماطلا، والكمد محالفا، وقلا لك، ولكنه مالا يملك رده، ولا يستطاع دفعه، بأبي أنت وأمي اذكرنا عند ربك، واجعلنا من بالك".
نعم يا رسول الله نحن أحوج ما نكون اليوم إلى تلك الرحمة، أحوج ما نكون إلى شفيع يضم جراح يتاماه في زمن الغربة، نراك في كل أيامنا، في حشرجة المنابر، في دموع الحسينيات، وفي هدأة السجدة التي نبكي فيها لله، فأنت الذي خلفت لنا الثقلين كتاب الله وعترتك الطاهرة، وهما الوصية التي نعتصم بها حتى لا نضيع في هذا المحيط، فالحاضر موحش جداً، والعالم يملؤه الجشع، والصراع، والقسوة، نتأمل خلقك العظيم، رفقك بالأعداء، حنانك على الأطفال، فنشعر بعظمة الخسارة، لقد خسرت الأرض نورها يوم استشهدت، وبقينا نحن نقتفي آثار ذلك النور في العتمة، وسنظل، رغم قسوة الحاضر وعصف الأيام، نشعل من ذكراك قبساً يضيء ليل المحبين، ونردد مع كل نبضة ألم: إنا على العهد ما حيينا، ننتظر الفجر الذي وعدت به.
فسلامٌ عليك يا أبا الزهراء، يوم ولدت، ويوم عشت رحمةً للعالمين، ويوم رحلت فاستوحشت الأرض، ويوم نلقاك عند الحوض، يحمل كل منا في صدره هذا النبض اليتيم، حجةً للحب، وعهداً لا يمحوه الزمان.








اضافةتعليق
التعليقات