• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

بين صمت المحراب وضجيج السعي

هدى المفرجي / منذ 2 ساعة / ثقافة / 207
شارك الموضوع :

هذا الرغيف الذي يوضع على المائدة في نهاية اليوم ليس مجرد طعام إنه قطعة من عمر الساعي، وقطرة من صفايا روحه، كُسبت بالكرامة لتستهلك بالحب

في سجف الليل حين تهدأ الأصوات، وتتوارى الأجساد خلف دثار الكرى، ينبثق سؤال خفي يتردد في أروقة الروح: أين يكمن وجه الله عز وجل؟

هل هو في صومعة معزولة عن آلام البشر، أم في تكبيرة إحرام تقتطعك عن هذا العالم، أم أن ثمة محرابا آخر، أوسع أفقا، وأعمق غرسا، لم تُفلح في تصويره إلا عين تتطلع بنور النبوة وحكمة الإمامة؟

هنا يجيبنا الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بعبارةٍ تقلب موازين النسك التقليدي، وتهز أركان الفهم السطحي للفضيلة: «إن الذي يَطلبُ مِن فَضلٍ يَكُف بِهِ عِيالَهُ، أعظَمُ أجراً مِنَ المُجاهِدِ في سَبيلِ اللهِ»، إنها ليست مجرد كلمات تُقرأ في بطون الكتب، بل إعلان عن ثورة روحية وإنسانية تُعيد الاعتبار للحياة، وللعرق المنهمر من جبهة أبٍ متعب، وللخطوات المجهدة التي يخطوها إنسانٌ يسعى في مناكب الأرض لكي يحفظ كرامة بيته ولا يمد يده لأحد.

فقد فتح الامام الرضا نافذةً على "بطولةٍ صامتة"، بطولةٍ لا هتاف فيها ولا بيارق تُنشر، ولا دماء تُسفك، بل دراما يومية ينسجها التعب والكتمان، فإن كسب العيش ليس مجرد "ضرورة مادية" يفرمل بها الإنسان جموح حاجة الجسد، بل هو فعل حب ومقاومة ، فعندما يخرج الساعي في غبش الفجر، متسلحا بالأمل، متحملا مرارة الأيام وجفاء الظروف وقسوة السعي، ليشتري كرامة بيته، ويغرس في نفوس أطفاله شعورا بالأمان والاعتزاز لا يُقدر بثمن .

فهذا الرغيف الذي يوضع على المائدة في نهاية اليوم ليس مجرد طعام إنه قطعة من عمر الساعي، وقطرة من صفايا روحه، كُسبت بالكرامة لتستهلك بالحب، فلو تأملنا حركة الأقدام في الصباح الباكر حين تتفتح أزرار النهار الأولى، وينفض الناس عن أجسادهم كسل النوم ، ثمة أيدي خشنة تحتمل قساوة العمل، وأقدام تُسرع الخطى نحو الأسواق، والحقول، والمصانع، والمكاتب، في كل خطوة يخطوها هذا الساعي، تُكتب قصيدة لم تُقرأ، وتُنسم زفرة رجاءٍ تصعد إلى السماء .

فليس العرق المنهمر من الجبين مجرد إفراز جسدي نتيجة الجهد الفسيولوجي إنه ماءُ الحياة الذي يُسقى به بستان الأسرة ، كل قطرة عرق تسقط على الأرض تماثل في طهارتها وعلو شأنها قطرات المطر التي تمد التربة الهامدة بأسباب النماء ، و تتجلى جمالية قول الامام الرضا عليه السلام في كونه يرفع العمل اليومي البسيط من دوائر الماديات المجردة إلى رتبة العبادة العليا والنسك المقبول.

فلم يعد الدكان، أو الحقل، أو المكتب، أو ورشة البناء مجرد أمكنة لكسب المال، بل استحالت جميعها إلى امتدادٍ حقيقي للمحراب ، و إن الله سبحانه وتعالى لا يُعبد فقط بالانكفاء على الذات في زوايا العزلة، ولا بالفرار من تكاليف الحياة الاجتماعية والأسرية تحت دعوى الزهد ، بل يتقرب إليه السالك بدفع العوز عن بيته، ورفع الضيم عن روحه، وأن يكون يدا عليا تُعطي وتُطعم وتُكف، لا يدا سفلى تسأل الناس أَعطَوها أم منعوها .

وإن الإمام (عليه السلام) في نصيحته هذه، يضعنا أمام مفهوم متكامل لـ "الزهد الفاعل" فليس الزهد أن لا تملك شيئا، بل الزهد أن لا يملكك شيء، وأن تسعى في الأرض كسبا وعمرانا وأنت موصول القلب بالباري، ترعى من أعالك الله أمرهم، وتصون حرمة بيتك بعزة ومجد ،فإن السعي لكف العيال يمتد أثره ليتجاوز البعد الفردي إلى البعد الاجتماعي والأخلاقي الشامل، فالإنسان الذي يستشعر مسؤوليته تجاه من يعول، يتحول إلى شريان أمان للمجتمع برمته، فعندما يكف المرء عياله عن الحاجة يحمي المجتمع من آفة المسألة ، ويمنع تفشي روح الاتكالية والضعف والهوان ، و يبني أجيالاً واثقة ، و ينشأ الأطفال في بيوتٍ عزيزة، لم تطأها قدم الاستجداء، فيتربون على قيم العزة والاعتماد على النفس.

الايمان
القيم
الكرامة
العمل
الاسرة
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    على عهد الثقلين: أنين الروح في غيبة النور

    على عهد الثقلين: أنين الروح في غيبة النور

    الثلاثاء 11 آب 2026/
    في محراب التغذية الروحية: كيف تصاغ هوية الإنسان؟

    في محراب التغذية الروحية: كيف تصاغ هوية الإنسان؟

    الأحد 09 آب 2026/
    سيكولوجية العطاء: الأربعين أسمى صور التكافل الاجتماعي؟

    سيكولوجية العطاء: الأربعين أسمى صور التكافل الاجتماعي؟

    الخميس 30 تموز 2026/
    فلسفة الرفق بالنفس في مواسم الانطفاء والفتور

    فلسفة الرفق بالنفس في مواسم الانطفاء والفتور

    السبت 25 تموز 2026/
    الفراق وهم.. والحب خلودٌ في دماء رقية

    الفراق وهم.. والحب خلودٌ في دماء رقية

    الأثنين 20 تموز 2026/
    حين تدك بوصلة علي حصون الوهم

    حين تدك بوصلة علي حصون الوهم

    الخميس 16 تموز 2026/

    آخر الاضافات

    بين صمت المحراب وضجيج السعي

    حين يصبح التأخر تهمة

    من اللوم إلى الوعي: كيف يُصلح الأبناء ما أفسدته التربية الخاطئة؟

    أدوية قد تشكل خطراً في فصل الصيف وتستدعي الحذر

    اليوم العالمي للعمل الإنساني... خلف المشهد أياد تمتد وأثر يبقى

    كيف تتعاملين مع الرجل النرجسي من غير أن يأثر ذلك على بيتك وأسرتك؟

    التواضع والرحمة يفتحان أبوابًا تعجز القوة عن فتحها

    الخس.. فوائد غذائية تتجاوز كونه مكوّناً للسلطات

    آخر القراءات

    كيف تزيد رفاهيتك النفسية عن طريق الطعام؟

    النشر : الثلاثاء 07 تموز 2020
    اخر قراءة : منذ 30 دقيقة

    هتلر في بيتنا!

    النشر : الثلاثاء 01 تشرين الثاني 2022
    اخر قراءة : منذ 30 دقيقة

    أساليب الغزو الفكري في التحكم بعقول الشباب

    النشر : الثلاثاء 10 آذار 2020
    اخر قراءة : منذ 30 دقيقة

    العانس.. معاناة من قدر لم تخترها لنفسها

    النشر : الأربعاء 20 كانون الثاني 2021
    اخر قراءة : منذ 30 دقيقة

    قوة الإيمان في إعجاز الطغيان.. السيدة زينب أنموذجاً

    النشر : الأثنين 27 تموز 2026
    اخر قراءة : منذ 30 دقيقة

    ما سبب ميل بعض الأشخاص إلى العزلة الاجتماعية؟

    النشر : الأثنين 23 كانون الثاني 2023
    اخر قراءة : منذ 30 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 899 مشاهدات

    حقن نفسه ببكتيريا عمرها 3.5 مليون سنة: هل اكتشف إكسير الخلود أم فتح أبواب الجحيم البيولوجي؟

    • 355 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري عليه السلام: القيادة في ظل الرقابة العباسية

    • 330 مشاهدات

    من هدي الإمام الحسن العسكري: الصلاة على محمد وآل محمد

    • 330 مشاهدات

    تكريم الإنسان وغاية وجوده

    • 316 مشاهدات

    عرض كتاب: فكرة الرسم وكيف يساعدنا الرسم على الملاحظة والاكتشاف والاختراع

    • 309 مشاهدات

    الأسرة التي تصنع الأبطال: قراءة تربوية في بيت الإمام الحسين

    • 1043 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 899 مشاهدات

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    • 740 مشاهدات

    من جابر إلى صاحب الزمان… فلسفة المشاركة في نهضة الإمام الحسين

    • 637 مشاهدات

    الرسول الأكرم وبناء ثقافة التسامح: رحمةٌ واعية وعدلٌ يحفظ الحقوق

    • 623 مشاهدات

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات

    • 609 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    بين صمت المحراب وضجيج السعي
    • منذ 2 ساعة
    حين يصبح التأخر تهمة
    • منذ 2 ساعة
    من اللوم إلى الوعي: كيف يُصلح الأبناء ما أفسدته التربية الخاطئة؟
    • منذ 2 ساعة
    أدوية قد تشكل خطراً في فصل الصيف وتستدعي الحذر
    • منذ 2 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة