في سجف الليل حين تهدأ الأصوات، وتتوارى الأجساد خلف دثار الكرى، ينبثق سؤال خفي يتردد في أروقة الروح: أين يكمن وجه الله عز وجل؟
هل هو في صومعة معزولة عن آلام البشر، أم في تكبيرة إحرام تقتطعك عن هذا العالم، أم أن ثمة محرابا آخر، أوسع أفقا، وأعمق غرسا، لم تُفلح في تصويره إلا عين تتطلع بنور النبوة وحكمة الإمامة؟
هنا يجيبنا الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بعبارةٍ تقلب موازين النسك التقليدي، وتهز أركان الفهم السطحي للفضيلة: «إن الذي يَطلبُ مِن فَضلٍ يَكُف بِهِ عِيالَهُ، أعظَمُ أجراً مِنَ المُجاهِدِ في سَبيلِ اللهِ»، إنها ليست مجرد كلمات تُقرأ في بطون الكتب، بل إعلان عن ثورة روحية وإنسانية تُعيد الاعتبار للحياة، وللعرق المنهمر من جبهة أبٍ متعب، وللخطوات المجهدة التي يخطوها إنسانٌ يسعى في مناكب الأرض لكي يحفظ كرامة بيته ولا يمد يده لأحد.
فقد فتح الامام الرضا نافذةً على "بطولةٍ صامتة"، بطولةٍ لا هتاف فيها ولا بيارق تُنشر، ولا دماء تُسفك، بل دراما يومية ينسجها التعب والكتمان، فإن كسب العيش ليس مجرد "ضرورة مادية" يفرمل بها الإنسان جموح حاجة الجسد، بل هو فعل حب ومقاومة ، فعندما يخرج الساعي في غبش الفجر، متسلحا بالأمل، متحملا مرارة الأيام وجفاء الظروف وقسوة السعي، ليشتري كرامة بيته، ويغرس في نفوس أطفاله شعورا بالأمان والاعتزاز لا يُقدر بثمن .
فهذا الرغيف الذي يوضع على المائدة في نهاية اليوم ليس مجرد طعام إنه قطعة من عمر الساعي، وقطرة من صفايا روحه، كُسبت بالكرامة لتستهلك بالحب، فلو تأملنا حركة الأقدام في الصباح الباكر حين تتفتح أزرار النهار الأولى، وينفض الناس عن أجسادهم كسل النوم ، ثمة أيدي خشنة تحتمل قساوة العمل، وأقدام تُسرع الخطى نحو الأسواق، والحقول، والمصانع، والمكاتب، في كل خطوة يخطوها هذا الساعي، تُكتب قصيدة لم تُقرأ، وتُنسم زفرة رجاءٍ تصعد إلى السماء .
فليس العرق المنهمر من الجبين مجرد إفراز جسدي نتيجة الجهد الفسيولوجي إنه ماءُ الحياة الذي يُسقى به بستان الأسرة ، كل قطرة عرق تسقط على الأرض تماثل في طهارتها وعلو شأنها قطرات المطر التي تمد التربة الهامدة بأسباب النماء ، و تتجلى جمالية قول الامام الرضا عليه السلام في كونه يرفع العمل اليومي البسيط من دوائر الماديات المجردة إلى رتبة العبادة العليا والنسك المقبول.
فلم يعد الدكان، أو الحقل، أو المكتب، أو ورشة البناء مجرد أمكنة لكسب المال، بل استحالت جميعها إلى امتدادٍ حقيقي للمحراب ، و إن الله سبحانه وتعالى لا يُعبد فقط بالانكفاء على الذات في زوايا العزلة، ولا بالفرار من تكاليف الحياة الاجتماعية والأسرية تحت دعوى الزهد ، بل يتقرب إليه السالك بدفع العوز عن بيته، ورفع الضيم عن روحه، وأن يكون يدا عليا تُعطي وتُطعم وتُكف، لا يدا سفلى تسأل الناس أَعطَوها أم منعوها .
وإن الإمام (عليه السلام) في نصيحته هذه، يضعنا أمام مفهوم متكامل لـ "الزهد الفاعل" فليس الزهد أن لا تملك شيئا، بل الزهد أن لا يملكك شيء، وأن تسعى في الأرض كسبا وعمرانا وأنت موصول القلب بالباري، ترعى من أعالك الله أمرهم، وتصون حرمة بيتك بعزة ومجد ،فإن السعي لكف العيال يمتد أثره ليتجاوز البعد الفردي إلى البعد الاجتماعي والأخلاقي الشامل، فالإنسان الذي يستشعر مسؤوليته تجاه من يعول، يتحول إلى شريان أمان للمجتمع برمته، فعندما يكف المرء عياله عن الحاجة يحمي المجتمع من آفة المسألة ، ويمنع تفشي روح الاتكالية والضعف والهوان ، و يبني أجيالاً واثقة ، و ينشأ الأطفال في بيوتٍ عزيزة، لم تطأها قدم الاستجداء، فيتربون على قيم العزة والاعتماد على النفس.








اضافةتعليق
التعليقات