• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

الفراق وهم.. والحب خلودٌ في دماء رقية

هدى المفرجي / الأثنين 20 تموز 2026 / اسلاميات / 415
شارك الموضوع :

رقية وأباها ما زالا هنا، ينصتان إلى دموعك ويمسحانها بأطراف نورهما، ويذكرانك أن الفراق وهم، وأن الحب سر لا يفنى

جُنَّ الليل واستوحشت غياب الأحبة، أبصرت مكانها وأبيها لا يحيط بهم، صرخت الطفلة حتى سئم العدو، فأمروا بإحضار أبيها، استنشقتُ عطره وتعثرت بقلب عمتها: "عمتي، أبي هنا؟".

صمتٌ ثقيل لفَّ الغرفة، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة، رفعت رقية عينيها المُثقلتين بالدموع، واللتين تفيضان ببحار من الألم الصامت، وكررت: عمة، أبي هنا؟

تهمس وكأنها تناجي شبحًا، ثم تقدمت بخطوات واهنة، كأن الأرض تهتز تحت قدميها، وفجأة انكسر الصمت.

رقية... يا بُنيتي.. صوت العمة مرتجف، كما لو أن كلماتها ترتطم بقلب رقية كالسيف، مشيرة إلى قدوم الأب. التفتت رقية، وإذا بالرأس الشريف يُحدق بها، الدم المتجمد يزين لحيته البيضاء، والعينان النبيلتان نصفُ مفتوحتين، كأنهما يبحثان عن أمة ضائعة في ظلام الغربة.

نطقت رقية: لا... لا يمكن. انهارت على الأرض، قبضت على الهواء كمن يحاول إنقاذ روحها من السقوط، همست: أبي.

لمست وجهه بيد مرتجفة، فشعرت ببرد الموت يلسع أصابعها، وشعرت به ينادي: بُنيتي رقية.

الآن ذلك الصوت لن يعود أبدًا!

العمة انحنت عليها، تحاول أن تمسك بقلبها الذي يتساقط كالزجاج المحطم، أطبقت رقية على الرأس الشريف، ضمته إلى صدرها كما لو أنها تحاول إرجاع الحياة إليه: أبي يا حسين.

سقطت رقية على رأس أبيها، وكأن روحها انسلت من بين ضلوعها لتحتضنه في العالم الآخر، العمة وقفت مشدوهة، تراقب المشهد الذي تجمد فيه الزمن، وكأن السماء قد انطبقت على الأرض. لم تعد هناك دموع، لم يعد هناك صراخ، فقط ذلك الصمت المقدس الذي يليق بلحظة الوداع الأخير. تلملم العمة أشلاء قلبها المبعثرة، نظرت إلى رقية، التي التصقت بأبيها كما يلتصق الظل بالجسد، وكأن الموت لم يفرق بينهما، بل جمعهما في عالم لا يعرف الفراق.

وفي الزاوية، حيث وقف ظلُّ الحسين، بدا وكأن نورًا خافتًا يحيط به، ذراعاه مفتوحتان كشجرة تنتظر عصفورها الضال، رقية رأته، شعرت بحضوره قبل أن تراه، فابتسمت في سكرات الموت، وكأنها تسمع صوتًا يهتف في أعماقها: تعالي يا بُنيتي.

فانطلقت روحها كطائر تحطمت قيوده، طار إلى حيث لا جراح ولا دمع، العمة رأت جسدها يخور، فسقطت إلى جوارهما، تمسك بيد رقية الباردة، وتنظر إلى وجه الحسين المليء بالسلام. في تلك اللحظة، كانت العمة تدرك أن الموت لم يكن سوى جسر، وأن الفراق كان وهمًا، الحب لا يموت، إنه فقط ينتقل من عالم إلى عالم.

وفي خارج الغرفة، كان الأعداء يسمعون الصمت الثقيل، فظنوا أن المشهد انتهى، لكنهم لم يعلموا أنهم شهدوا بداية خلود جديد. رقية والحسين، الأب وابنته، صارا أسطورة تُروى في كل ليلة يطول فيها الغياب، وتُختتم في كل صباح يشرق فيه الأمل.

وهكذا، صارت رقية رمزًا للانتظار، وصار أبوها شاهدًا على أن الحب أقوى من السيف، وأن القلوب التي تموت على الحب تحيا به إلى الأبد.

هكذا أكملت الجدة قصة رقية لأحفادها، فنظرت إليهم بعيونها الدامعة، وهي تترقب أنفاسهم، كيف ناموا. نطق الحفيد الأوسط باكيًا:

جدتي، ما ذنب الطفلة حتى فعلوا ذلك بها؟ أهو الحب ذنبها؟ أوليس الحسين ابن فاطمة، ابنة النبي؟ لماذا قتلوه؟

كان هو الحب الذي أنطق الحفيد وأجرى دموعه، احتضنته الجدة مخففة ألمه، ناطقة:

نعم، بُني، كانوا يعلمون، ولكنه الحقد الدفين داخلهم غطى أعينهم عن نور الحق، فأرادوا أن يخفوه، ولكنه أخفاهم واستمر على هيئة حب في قلوبنا.

الحفيد: جدتي، وكيف نخبر الحسين إننا نحبه؟

الجدة: بُني، دموعك الآن أخبرته بذلك، نم مطمئنًا، إنه سمع حديثنا ورأى قلوبنا، ليحفظك الحسين، بُني.

وهكذا، صارت دموع الأحفاد ترانيم حب تُروى للحسين كلما طال الليل، وكلما اشتد الظلم، وكلما تاهت القلوب في ظلام الغربة. صارت رقية، عليها السلام، رمزًا للقلب الذي لا يموت، والحسين شمعة لا تنطفئ، تضيء درب العائدين إلى الحب الأكبر.

ففي خارج الغرفة، حيث كان الصمت ينذر بعاصفة جديدة، لم يعلم الأعداء أن سقوط الجسد ليس نهاية، بل هو بداية رحلة الروح نحو الخلود، فالحب الذي يُدفن تحت التراب ينبت زهرًا، والدم الذي يسيل على الأرض ينبت قمحًا، والقصص التي تُروى في الظلام تضيء كالنجوم.

واليوم، حين تغمض عينيك وتسمع همسة الريح تردد: "يا حسين"، اعلم أن رقية وأباها ما زالا هنا، ينصتان إلى دموعك ويمسحانها بأطراف نورهما، ويذكرانك أن الفراق وهم، وأن الحب سر لا يفنى، فكن واثقًا أنك في كفالتهما، وأنهما في كفالة من لم يزل يحبك قبل أن تعرفه، فهو الذي شاء أن يخلد نورهم، وأمر الريح أن تحمل همسات يا حسين بين أغصان الزمن.

فكلما دارت الأيام، عادت رقية تهمس بخلود الحب من وراء السحاب، أما العدو الذي ظن أن الصمت نهاية، فقد صار هو الأسير في متاهات ذاكرته، بينما تحول صوت رقية إلى صدى يطارده في كل مكان، وفي كل زمان، وكل جيل حتى اليوم.

وأما الحب، فظل كالنهر الجاري يغذي ظمأ العابرين إلى أن يرتووا من ماء: ألا هل من ناصرٍ ينصرني؟

عاشوراء
الامام الحسين
كربلاء
السيدة رقية
الحب
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الثلاثاء 08 ايلول 2026/
    حسن الخلق في ميزان القيامة

    حسن الخلق في ميزان القيامة

    الخميس 03 ايلول 2026/
    الفجر الهاشمي: من سر العرش إلى طينة الأرض

    الفجر الهاشمي: من سر العرش إلى طينة الأرض

    الأحد 30 آب 2026/
    بين صمت المحراب وضجيج السعي

    بين صمت المحراب وضجيج السعي

    الثلاثاء 25 آب 2026/
    على عهد الثقلين: أنين الروح في غيبة النور

    على عهد الثقلين: أنين الروح في غيبة النور

    الثلاثاء 11 آب 2026/
    في محراب التغذية الروحية: كيف تصاغ هوية الإنسان؟

    في محراب التغذية الروحية: كيف تصاغ هوية الإنسان؟

    الأحد 09 آب 2026/

    آخر الاضافات

    عمّى الجمال

    التشكيك بالذات… عنفٌ بلا آثار

    عدوى جلدية نادرة تثير القلق في أوروبا.. هل تتوسع رقعة «تعفن المطر»؟

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    بوحٌ بلا وجوه… حينما تصبح المنصات الملاذ الأخير

    رائحة العرق المزعجة.. أسبابها وطرق الحد منها بفاعلية

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الهيليوم: أكثر من مجرد غاز يجعل صوتك مضحكًا

    آخر القراءات

    كيف يمكن للزوجين كسر الروتين في حياتهم الزوجية؟

    النشر : الثلاثاء 13 ايلول 2022
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    الماضي.. عود يحترق فيزداد طيبا أم سمّا؟!

    النشر : الأثنين 09 كانون الثاني 2017
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    مع نفحات اليوم العالمي لمحو الأميّة: محو الأمية من أجل الإنعاش المتمحور

    النشر : الخميس 08 ايلول 2022
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    التشكيك بالذات… عنفٌ بلا آثار

    النشر : منذ 21 ساعة
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    لماذا يتهافت الناس على شراء أحدث إصدارات الهواتف الذكية؟

    النشر : الخميس 03 تشرين الاول 2024
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    ثورة الامام الحسين (ع): ابتدأت بحرب الكلمة وانتهت بمعركة الطف

    النشر : السبت 20 تشرين الاول 2018
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 482 مشاهدات

    الاهتمام بالرزق.. حين يتحول الهم إلى خطيئة

    • 316 مشاهدات

    نظام الطيبات... عند النبي محمد

    • 313 مشاهدات

    الكيتو قد يساعد في عكس مقدمات السكري وخفض دهون الكبد

    • 298 مشاهدات

    كيف تخفف التهاب الحلق سريعًا؟ خطوات بسيطة تساعد على الشعور بالراحة

    • 298 مشاهدات

    طرق بسيطة قد تساعد على تخفيف أعراض الصداع النصفي أثناء النوبة

    • 297 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1057 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1020 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1003 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 959 مشاهدات

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    • 799 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 715 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    عمّى الجمال
    • منذ 20 ساعة
    التشكيك بالذات… عنفٌ بلا آثار
    • منذ 21 ساعة
    عدوى جلدية نادرة تثير القلق في أوروبا.. هل تتوسع رقعة «تعفن المطر»؟
    • منذ 21 ساعة
    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر
    • الأربعاء 09 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة