• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

الفراق وهم.. والحب خلودٌ في دماء رقية

هدى المفرجي / الأثنين 20 تموز 2026 / اسلاميات / 557
شارك الموضوع :

رقية وأباها ما زالا هنا، ينصتان إلى دموعك ويمسحانها بأطراف نورهما، ويذكرانك أن الفراق وهم، وأن الحب سر لا يفنى

جُنَّ الليل واستوحشت غياب الأحبة، أبصرت مكانها وأبيها لا يحيط بهم، صرخت الطفلة حتى سئم العدو، فأمروا بإحضار أبيها، استنشقتُ عطره وتعثرت بقلب عمتها: "عمتي، أبي هنا؟".

صمتٌ ثقيل لفَّ الغرفة، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة، رفعت رقية عينيها المُثقلتين بالدموع، واللتين تفيضان ببحار من الألم الصامت، وكررت: عمة، أبي هنا؟

تهمس وكأنها تناجي شبحًا، ثم تقدمت بخطوات واهنة، كأن الأرض تهتز تحت قدميها، وفجأة انكسر الصمت.

رقية... يا بُنيتي.. صوت العمة مرتجف، كما لو أن كلماتها ترتطم بقلب رقية كالسيف، مشيرة إلى قدوم الأب. التفتت رقية، وإذا بالرأس الشريف يُحدق بها، الدم المتجمد يزين لحيته البيضاء، والعينان النبيلتان نصفُ مفتوحتين، كأنهما يبحثان عن أمة ضائعة في ظلام الغربة.

نطقت رقية: لا... لا يمكن. انهارت على الأرض، قبضت على الهواء كمن يحاول إنقاذ روحها من السقوط، همست: أبي.

لمست وجهه بيد مرتجفة، فشعرت ببرد الموت يلسع أصابعها، وشعرت به ينادي: بُنيتي رقية.

الآن ذلك الصوت لن يعود أبدًا!

العمة انحنت عليها، تحاول أن تمسك بقلبها الذي يتساقط كالزجاج المحطم، أطبقت رقية على الرأس الشريف، ضمته إلى صدرها كما لو أنها تحاول إرجاع الحياة إليه: أبي يا حسين.

سقطت رقية على رأس أبيها، وكأن روحها انسلت من بين ضلوعها لتحتضنه في العالم الآخر، العمة وقفت مشدوهة، تراقب المشهد الذي تجمد فيه الزمن، وكأن السماء قد انطبقت على الأرض. لم تعد هناك دموع، لم يعد هناك صراخ، فقط ذلك الصمت المقدس الذي يليق بلحظة الوداع الأخير. تلملم العمة أشلاء قلبها المبعثرة، نظرت إلى رقية، التي التصقت بأبيها كما يلتصق الظل بالجسد، وكأن الموت لم يفرق بينهما، بل جمعهما في عالم لا يعرف الفراق.

وفي الزاوية، حيث وقف ظلُّ الحسين، بدا وكأن نورًا خافتًا يحيط به، ذراعاه مفتوحتان كشجرة تنتظر عصفورها الضال، رقية رأته، شعرت بحضوره قبل أن تراه، فابتسمت في سكرات الموت، وكأنها تسمع صوتًا يهتف في أعماقها: تعالي يا بُنيتي.

فانطلقت روحها كطائر تحطمت قيوده، طار إلى حيث لا جراح ولا دمع، العمة رأت جسدها يخور، فسقطت إلى جوارهما، تمسك بيد رقية الباردة، وتنظر إلى وجه الحسين المليء بالسلام. في تلك اللحظة، كانت العمة تدرك أن الموت لم يكن سوى جسر، وأن الفراق كان وهمًا، الحب لا يموت، إنه فقط ينتقل من عالم إلى عالم.

وفي خارج الغرفة، كان الأعداء يسمعون الصمت الثقيل، فظنوا أن المشهد انتهى، لكنهم لم يعلموا أنهم شهدوا بداية خلود جديد. رقية والحسين، الأب وابنته، صارا أسطورة تُروى في كل ليلة يطول فيها الغياب، وتُختتم في كل صباح يشرق فيه الأمل.

وهكذا، صارت رقية رمزًا للانتظار، وصار أبوها شاهدًا على أن الحب أقوى من السيف، وأن القلوب التي تموت على الحب تحيا به إلى الأبد.

هكذا أكملت الجدة قصة رقية لأحفادها، فنظرت إليهم بعيونها الدامعة، وهي تترقب أنفاسهم، كيف ناموا. نطق الحفيد الأوسط باكيًا:

جدتي، ما ذنب الطفلة حتى فعلوا ذلك بها؟ أهو الحب ذنبها؟ أوليس الحسين ابن فاطمة، ابنة النبي؟ لماذا قتلوه؟

كان هو الحب الذي أنطق الحفيد وأجرى دموعه، احتضنته الجدة مخففة ألمه، ناطقة:

نعم، بُني، كانوا يعلمون، ولكنه الحقد الدفين داخلهم غطى أعينهم عن نور الحق، فأرادوا أن يخفوه، ولكنه أخفاهم واستمر على هيئة حب في قلوبنا.

الحفيد: جدتي، وكيف نخبر الحسين إننا نحبه؟

الجدة: بُني، دموعك الآن أخبرته بذلك، نم مطمئنًا، إنه سمع حديثنا ورأى قلوبنا، ليحفظك الحسين، بُني.

وهكذا، صارت دموع الأحفاد ترانيم حب تُروى للحسين كلما طال الليل، وكلما اشتد الظلم، وكلما تاهت القلوب في ظلام الغربة. صارت رقية، عليها السلام، رمزًا للقلب الذي لا يموت، والحسين شمعة لا تنطفئ، تضيء درب العائدين إلى الحب الأكبر.

ففي خارج الغرفة، حيث كان الصمت ينذر بعاصفة جديدة، لم يعلم الأعداء أن سقوط الجسد ليس نهاية، بل هو بداية رحلة الروح نحو الخلود، فالحب الذي يُدفن تحت التراب ينبت زهرًا، والدم الذي يسيل على الأرض ينبت قمحًا، والقصص التي تُروى في الظلام تضيء كالنجوم.

واليوم، حين تغمض عينيك وتسمع همسة الريح تردد: "يا حسين"، اعلم أن رقية وأباها ما زالا هنا، ينصتان إلى دموعك ويمسحانها بأطراف نورهما، ويذكرانك أن الفراق وهم، وأن الحب سر لا يفنى، فكن واثقًا أنك في كفالتهما، وأنهما في كفالة من لم يزل يحبك قبل أن تعرفه، فهو الذي شاء أن يخلد نورهم، وأمر الريح أن تحمل همسات يا حسين بين أغصان الزمن.

فكلما دارت الأيام، عادت رقية تهمس بخلود الحب من وراء السحاب، أما العدو الذي ظن أن الصمت نهاية، فقد صار هو الأسير في متاهات ذاكرته، بينما تحول صوت رقية إلى صدى يطارده في كل مكان، وفي كل زمان، وكل جيل حتى اليوم.

وأما الحب، فظل كالنهر الجاري يغذي ظمأ العابرين إلى أن يرتووا من ماء: ألا هل من ناصرٍ ينصرني؟

عاشوراء
الامام الحسين
كربلاء
السيدة رقية
الحب
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    السبت 10 تشرين الاول 2026/
    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    السبت 03 تشرين الاول 2026/
    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    الأثنين 21 ايلول 2026/
    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    الخميس 17 ايلول 2026/
    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الأحد 13 ايلول 2026/
    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الثلاثاء 08 ايلول 2026/

    آخر الاضافات

    نادي أصدقاء الكتاب يناقش: سر التوازن

    قصف الطفولة.. كيف تستنزف الشاشات انتباه الأطفال؟

    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة

    الروبيان.. مصدر غني بالبروتين والعناصر الغذائية المفيدة لصحة الجسم

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    من يملك وقتك؟

    التفكير الإيجابي: كيف تتحول الأفكار البناءة إلى سلوك ورفاه وعلاقات أفضل؟

    الناسور العصعصي.. مشكلة صحية تصيب الشباب والرجال أكثر من غيرهم

    آخر القراءات

    زرعك اليوم حصادك غدا

    النشر : الأثنين 07 تشرين الثاني 2022
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    رسائل حشود زائري كربلاء

    النشر : الأربعاء 14 ايلول 2022
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    اللامبالاة والعالم الأزرق

    النشر : الثلاثاء 02 آب 2022
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    بودرة الكاكاو ومشروبه.. طعم لذيذ وفوائد طبية

    النشر : الخميس 26 تشرين الثاني 2020
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    حين يرفض الرجل أن يكبر

    النشر : الثلاثاء 13 كانون الأول 2022
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    متى يكون العلم نور؟

    النشر : الأربعاء 01 آب 2018
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 780 مشاهدات

    أغصان البخل وحجاب اللقاء.. هل نحن فاطميون حقا؟

    • 498 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 443 مشاهدات

    الخدر العاطفي: حين تتوقف الروح عن الشعور

    • 378 مشاهدات

    من يملك وقتك؟

    • 361 مشاهدات

    طول الطفل بين الجينات ونمط الحياة.. ما العوامل التي تحدد نموه؟

    • 344 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1565 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1158 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1014 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 780 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 707 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 542 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    نادي أصدقاء الكتاب يناقش: سر التوازن
    • الخميس 29 تشرين الاول 2026
    قصف الطفولة.. كيف تستنزف الشاشات انتباه الأطفال؟
    • الخميس 29 تشرين الاول 2026
    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة
    • الخميس 29 تشرين الاول 2026
    الروبيان.. مصدر غني بالبروتين والعناصر الغذائية المفيدة لصحة الجسم
    • الخميس 29 تشرين الاول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة