جُنَّ الليل واستوحشت غياب الأحبة، أبصرت مكانها وأبيها لا يحيط بهم، صرخت الطفلة حتى سئم العدو، فأمروا بإحضار أبيها، استنشقتُ عطره وتعثرت بقلب عمتها: "عمتي، أبي هنا؟".
صمتٌ ثقيل لفَّ الغرفة، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة، رفعت رقية عينيها المُثقلتين بالدموع، واللتين تفيضان ببحار من الألم الصامت، وكررت: عمة، أبي هنا؟
تهمس وكأنها تناجي شبحًا، ثم تقدمت بخطوات واهنة، كأن الأرض تهتز تحت قدميها، وفجأة انكسر الصمت.
رقية... يا بُنيتي.. صوت العمة مرتجف، كما لو أن كلماتها ترتطم بقلب رقية كالسيف، مشيرة إلى قدوم الأب. التفتت رقية، وإذا بالرأس الشريف يُحدق بها، الدم المتجمد يزين لحيته البيضاء، والعينان النبيلتان نصفُ مفتوحتين، كأنهما يبحثان عن أمة ضائعة في ظلام الغربة.
نطقت رقية: لا... لا يمكن. انهارت على الأرض، قبضت على الهواء كمن يحاول إنقاذ روحها من السقوط، همست: أبي.
لمست وجهه بيد مرتجفة، فشعرت ببرد الموت يلسع أصابعها، وشعرت به ينادي: بُنيتي رقية.
الآن ذلك الصوت لن يعود أبدًا!
العمة انحنت عليها، تحاول أن تمسك بقلبها الذي يتساقط كالزجاج المحطم، أطبقت رقية على الرأس الشريف، ضمته إلى صدرها كما لو أنها تحاول إرجاع الحياة إليه: أبي يا حسين.
سقطت رقية على رأس أبيها، وكأن روحها انسلت من بين ضلوعها لتحتضنه في العالم الآخر، العمة وقفت مشدوهة، تراقب المشهد الذي تجمد فيه الزمن، وكأن السماء قد انطبقت على الأرض. لم تعد هناك دموع، لم يعد هناك صراخ، فقط ذلك الصمت المقدس الذي يليق بلحظة الوداع الأخير. تلملم العمة أشلاء قلبها المبعثرة، نظرت إلى رقية، التي التصقت بأبيها كما يلتصق الظل بالجسد، وكأن الموت لم يفرق بينهما، بل جمعهما في عالم لا يعرف الفراق.
وفي الزاوية، حيث وقف ظلُّ الحسين، بدا وكأن نورًا خافتًا يحيط به، ذراعاه مفتوحتان كشجرة تنتظر عصفورها الضال، رقية رأته، شعرت بحضوره قبل أن تراه، فابتسمت في سكرات الموت، وكأنها تسمع صوتًا يهتف في أعماقها: تعالي يا بُنيتي.
فانطلقت روحها كطائر تحطمت قيوده، طار إلى حيث لا جراح ولا دمع، العمة رأت جسدها يخور، فسقطت إلى جوارهما، تمسك بيد رقية الباردة، وتنظر إلى وجه الحسين المليء بالسلام. في تلك اللحظة، كانت العمة تدرك أن الموت لم يكن سوى جسر، وأن الفراق كان وهمًا، الحب لا يموت، إنه فقط ينتقل من عالم إلى عالم.
وفي خارج الغرفة، كان الأعداء يسمعون الصمت الثقيل، فظنوا أن المشهد انتهى، لكنهم لم يعلموا أنهم شهدوا بداية خلود جديد. رقية والحسين، الأب وابنته، صارا أسطورة تُروى في كل ليلة يطول فيها الغياب، وتُختتم في كل صباح يشرق فيه الأمل.
وهكذا، صارت رقية رمزًا للانتظار، وصار أبوها شاهدًا على أن الحب أقوى من السيف، وأن القلوب التي تموت على الحب تحيا به إلى الأبد.
هكذا أكملت الجدة قصة رقية لأحفادها، فنظرت إليهم بعيونها الدامعة، وهي تترقب أنفاسهم، كيف ناموا. نطق الحفيد الأوسط باكيًا:
جدتي، ما ذنب الطفلة حتى فعلوا ذلك بها؟ أهو الحب ذنبها؟ أوليس الحسين ابن فاطمة، ابنة النبي؟ لماذا قتلوه؟
كان هو الحب الذي أنطق الحفيد وأجرى دموعه، احتضنته الجدة مخففة ألمه، ناطقة:
نعم، بُني، كانوا يعلمون، ولكنه الحقد الدفين داخلهم غطى أعينهم عن نور الحق، فأرادوا أن يخفوه، ولكنه أخفاهم واستمر على هيئة حب في قلوبنا.
الحفيد: جدتي، وكيف نخبر الحسين إننا نحبه؟
الجدة: بُني، دموعك الآن أخبرته بذلك، نم مطمئنًا، إنه سمع حديثنا ورأى قلوبنا، ليحفظك الحسين، بُني.
وهكذا، صارت دموع الأحفاد ترانيم حب تُروى للحسين كلما طال الليل، وكلما اشتد الظلم، وكلما تاهت القلوب في ظلام الغربة. صارت رقية، عليها السلام، رمزًا للقلب الذي لا يموت، والحسين شمعة لا تنطفئ، تضيء درب العائدين إلى الحب الأكبر.
ففي خارج الغرفة، حيث كان الصمت ينذر بعاصفة جديدة، لم يعلم الأعداء أن سقوط الجسد ليس نهاية، بل هو بداية رحلة الروح نحو الخلود، فالحب الذي يُدفن تحت التراب ينبت زهرًا، والدم الذي يسيل على الأرض ينبت قمحًا، والقصص التي تُروى في الظلام تضيء كالنجوم.
واليوم، حين تغمض عينيك وتسمع همسة الريح تردد: "يا حسين"، اعلم أن رقية وأباها ما زالا هنا، ينصتان إلى دموعك ويمسحانها بأطراف نورهما، ويذكرانك أن الفراق وهم، وأن الحب سر لا يفنى، فكن واثقًا أنك في كفالتهما، وأنهما في كفالة من لم يزل يحبك قبل أن تعرفه، فهو الذي شاء أن يخلد نورهم، وأمر الريح أن تحمل همسات يا حسين بين أغصان الزمن.
فكلما دارت الأيام، عادت رقية تهمس بخلود الحب من وراء السحاب، أما العدو الذي ظن أن الصمت نهاية، فقد صار هو الأسير في متاهات ذاكرته، بينما تحول صوت رقية إلى صدى يطارده في كل مكان، وفي كل زمان، وكل جيل حتى اليوم.
وأما الحب، فظل كالنهر الجاري يغذي ظمأ العابرين إلى أن يرتووا من ماء: ألا هل من ناصرٍ ينصرني؟








اضافةتعليق
التعليقات