• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

حين تدك بوصلة علي حصون الوهم

هدى المفرجي / الخميس 16 تموز 2026 / حقوق / 525
شارك الموضوع :

ينتقل الإمام من التحذير إلى البناء، ويضع المعيار الأسمى لاختيار رجالات الدولة

 في منبت أقدم حضارات الأرض، ومهد القانون الأول، يبدو أننا طورنا مفهوم "التنمية" إلى مستوى لم تبلغه البشرية بعد، حيث تُشيد الجسور شاهقة في خيالات الخطابات الرنانة، وتُحفر قنوات الري في بحور الوعود الخداعة، بينما يغرق الواقع في شبر ماء تحت أول زخة مطر تكشف عورة البنى التحتية والمواثيق.

فلقد تغلغل الفساد في تفاصيل يومنا حتى غدا كالهواء، موجودًا في كل مكان، لا يُرى بالعين المجردة، لكنك حتمًا تختنق به. إننا نعيش في بقعة من العالم نجح فيها جلاوزة المكاتب الفارهة في تحويل "الضمير" إلى قطعة أثرية نادرة تُعرض في المتاحف بجانب مسلات أجدادنا السومريين والبابليين.

استبدلوا الضمير الحي بميزان عجيب يزنون به حجم صفقاتهم وغنائمهم، بينما يقف المواطن البسيط على رصيف الانتظار، يزن براتبه الشهري الشحيح كم غرامًا من الكرامة والخبز يمكن أن يشتري لعائلته هذا اليوم، إذ فقد ميثاق الوجود وعمودها الفقري، وهي الأمانة.

وحين تغيب هذه الأمانة، لا يسقط الفرد الخائن وحده، بل تتداعى ملامح الأوطان بأكملها، وتتحول الأرض الغنية بنهرين وتاريخ ممتد إلى مسرح كبير لانتظار طويل ومرير، حيث تلتهم الفوضى الطمأنينة، ويدفع الأبرياء ثمن وعود صُنعت من رمل. وهنا، حين تتيه الخطى وتغرق المدن في وحل الوعود، لا نجد أبلغ من أمير المؤمنين (عليه السلام) في تشخيص هذا الداء العضال.

الأمانة في مدرسة أمير المؤمنين (عليه السلام)

ليس هنالك أبلغ في تشخيص هذا الداء وتحديد بوصلة النجاة والعبور، مما خطه إمام البلاغة والعدالة الكونية، الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، في عهده التاريخي لمالك الأشتر، لما ولاه مصر. هذا العهد لم يكن مجرد توصيات سياسية عابرة، بل هو دستور أبدي أرسى قواعد "الحوكمة الرشيدة" والأمانة المطلقة في إدارة البلاد والعباد، حيث يقول (عليه السلام):

"شَرُّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلْأَشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيرًا، وَمَنْ شَرِكَهم فِي الْآثَامِ، فَلَا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً، فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَةِ، وَإِخْوَانُ الظَّلَمَةِ، وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَاذِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ، وَأَوْزَارِهِمْ، وَآثَامِهِمْ، مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِمًا عَلَى ظُلْمِهِ، وَلَا آثِمًا عَلَى إِثْمِهِ."

إن مغزى هذا الكلام العلوي يختزل الفارق الجوهري بين وطن يُبنى بسواعد المخلصين، وآخر يُستنزف بأيدي الانتهازيين، فالحضارات لا تسقط بنفاد ثرواتها المادية، بل بنفاد الأمانة من ضمائر رجالاتها. وتتفصل الأمانة لأنواع، منها:

الأمانة في المسؤولية: هي ألا يُقدم الولاء الضيق على الكفاءة الحقيقية، وألا تُباع مقدرات البلاد في سوق المصالح الفئوية الحزبية.

الأمانة في العمل: هي أن يتحول المسؤول من سلطوي جابٍ إلى حارس أمين على طموح الشباب، يمهد لهم طرق البناء والابتكار، بدلاً من دفعهم نحو قوارب الموت، وقهر الهجرة والاغتراب. فإن العبور ببلد أرهقته المحن إلى بر الأمان لا يحتاج إلى معجزات سماوية جديدة، بل يحتاج إلى رجوع صادق وعملي لجوهر الأمانة.

ولو تعمقنا أكثر في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر، لوجدناه يفكك معضلتين هيكليتين في بناء الدولة: بطانة الحكم، ومعايير اختيار القضاة والمسؤولين، من خلال:

1. تفكيك جذور الدولة العميقة والفاسدة:

"شَرُّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلْأَشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيرًا، وَمَنْ شَرِكَهم فِي الْآثَامِ، فَلَا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً."

في هذا الجزء، يضع الإمام علي (عليه السلام) قاعدة استراتيجية في التطهير الإداري والسياسي، أي مكافحة تدوير النفايات السياسية. ويُحذر الإمام الحاكم الجديد (مالك) من الاعتماد على الطبقة البيروقراطية أو المستشارين الذين خدموا الأنظمة الفاسدة أو الظالمة السابقة، فالشخص الذي اعتاد على تمرير الصفقات المشبوهة، وشرعنة الظلم، والتزلف لأصحاب النفوذ، لا يمكن أن يتحول فجأة إلى رجل دولة نزيه. ويرى الإمام أن "البطانة" إذا كانت ملوثة بآثام سابقة، فإنها ستعمل على إعادة إنتاج الفساد نفسه لحماية مصالحها القديمة، ولذلك وصفهم بدقة متناهية: "فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَةِ، وَإِخْوَانُ الظَّلَمَةِ"، والشراكة هنا ليست مجرد عمل وظيفي، بل هي أخوة في المنهج والسلوك.

 2. حدد معيار الكفاءة والنزاهة المطلقة في القضاء والحكم:

"وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَاذِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ، وَأَوْزَارِهِمْ، وَآثَامِهِمْ، مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِمًا عَلَى ظُلْمِهِ، وَلَا آثِمًا عَلَى إِثْمِهِ."

حيث ينتقل الإمام من التحذير إلى البناء، ويضع المعيار الأسمى لاختيار رجالات الدولة. فالإمام لا يقول لمالك: اختر شخصًا جيدًا وكفى، بل يقول له: ابحث عن القمة الأخلاقية والمعرفية في مجتمعك، الشخص الذي ترى فيه أعلى مستويات النزاهة والعدالة.

حيث يؤكد الإمام علي (عليه السلام) أن "أزمة الحكم هي أزمة رجال"، فلو جئت بأفضل القوانين في العالم، ووضعتها بين يدي بطانة فاسدة وقضاة ضعفاء، لتحولت تلك القوانين إلى أدوات لظلم الضعيف وحماية القوي، كما يحدث اليوم عندما يغرق الواقع في شبر ماء، والفاسد يدعي أنه يزيل الفساد، وما هو إلا التخلص من قطع الشطرنج في الصف الأول لرسم صورة نزيهة لنفسه، وتحول من كانوا في الانتظار في الصف الثاني إلى الأول، وليستمتع الشعب بلغة جديدة من الفساد مبتكرة، فالسابق أصبح لا متعة فيه.

الامام علي
القانون
القيم
السياسة
الانسانية
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    السبت 10 تشرين الاول 2026/
    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    السبت 03 تشرين الاول 2026/
    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    الأثنين 21 ايلول 2026/
    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    الخميس 17 ايلول 2026/
    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الأحد 13 ايلول 2026/
    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الثلاثاء 08 ايلول 2026/

    آخر الاضافات

    شهادة السيدة الزهراء وصوت المظلومية

    قبلات على يدي أمي فاطمة

    الخدر العاطفي: حين تتوقف الروح عن الشعور

    قبل حلول الشتاء.. عادات يومية تحمي الجسم من الفيروسات الموسمية

    أغصان البخل وحجاب اللقاء.. هل نحن فاطميون حقا؟

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    فاطمة الزهراء على أعتاب الآخرة

    الفتق السري عند الأطفال والكبار.. متى يصبح التدخل الطبي ضرورياً؟

    آخر القراءات

    أهم أسس بناء العلاقة الزوجية الناجحة

    النشر : الأحد 11 تشرين الاول 2020
    اخر قراءة : منذ 20 دقيقة

    التقيت بعمري

    النشر : السبت 18 آذار 2017
    اخر قراءة : منذ 20 دقيقة

    حقوق الجوار في كلام زين العباد

    النشر : الخميس 19 تشرين الاول 2017
    اخر قراءة : منذ 20 دقيقة

    وبدأت قصة كربلاء

    النشر : الثلاثاء 11 ايلول 2018
    اخر قراءة : منذ 20 دقيقة

    هل يمكن للمرأة الإنجاب بعد سن الأربعين؟

    النشر : السبت 27 آب 2022
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    ملحمة الطف: مدرسة للتضحية والتلاحم الأسري

    النشر : الخميس 11 تموز 2024
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 735 مشاهدات

    أغصان البخل وحجاب اللقاء.. هل نحن فاطميون حقا؟

    • 447 مشاهدات

    حين يصنع الذكاء الاصطناعي شريك الأحلام.. هل تُعيد المسلسلات الرقمية تشكيل معايير الجمال والزواج؟

    • 355 مشاهدات

    أهم 12 خرافة عن القلق أمام الجمهور (1)

    • 337 مشاهدات

    هل تعلم أين تذهب دهون جسدك عند فقدان الوزن؟ الرئتان هما السر؟

    • 334 مشاهدات

    الدراجة الهوائية... تجربة تتسم بالإيجابية

    • 331 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1541 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1138 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 906 مشاهدات

    لماذا تملّ القلوب؟ قراءة نفسية وتربوية في حكمة علوية

    • 872 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 735 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 679 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    شهادة السيدة الزهراء وصوت المظلومية
    • منذ 23 ساعة
    قبلات على يدي أمي فاطمة
    • منذ 23 ساعة
    الخدر العاطفي: حين تتوقف الروح عن الشعور
    • منذ 23 ساعة
    قبل حلول الشتاء.. عادات يومية تحمي الجسم من الفيروسات الموسمية
    • منذ 23 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة