• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

حين تدك بوصلة علي حصون الوهم

هدى المفرجي / الخميس 16 تموز 2026 / حقوق / 404
شارك الموضوع :

ينتقل الإمام من التحذير إلى البناء، ويضع المعيار الأسمى لاختيار رجالات الدولة

 في منبت أقدم حضارات الأرض، ومهد القانون الأول، يبدو أننا طورنا مفهوم "التنمية" إلى مستوى لم تبلغه البشرية بعد، حيث تُشيد الجسور شاهقة في خيالات الخطابات الرنانة، وتُحفر قنوات الري في بحور الوعود الخداعة، بينما يغرق الواقع في شبر ماء تحت أول زخة مطر تكشف عورة البنى التحتية والمواثيق.

فلقد تغلغل الفساد في تفاصيل يومنا حتى غدا كالهواء، موجودًا في كل مكان، لا يُرى بالعين المجردة، لكنك حتمًا تختنق به. إننا نعيش في بقعة من العالم نجح فيها جلاوزة المكاتب الفارهة في تحويل "الضمير" إلى قطعة أثرية نادرة تُعرض في المتاحف بجانب مسلات أجدادنا السومريين والبابليين.

استبدلوا الضمير الحي بميزان عجيب يزنون به حجم صفقاتهم وغنائمهم، بينما يقف المواطن البسيط على رصيف الانتظار، يزن براتبه الشهري الشحيح كم غرامًا من الكرامة والخبز يمكن أن يشتري لعائلته هذا اليوم، إذ فقد ميثاق الوجود وعمودها الفقري، وهي الأمانة.

وحين تغيب هذه الأمانة، لا يسقط الفرد الخائن وحده، بل تتداعى ملامح الأوطان بأكملها، وتتحول الأرض الغنية بنهرين وتاريخ ممتد إلى مسرح كبير لانتظار طويل ومرير، حيث تلتهم الفوضى الطمأنينة، ويدفع الأبرياء ثمن وعود صُنعت من رمل. وهنا، حين تتيه الخطى وتغرق المدن في وحل الوعود، لا نجد أبلغ من أمير المؤمنين (عليه السلام) في تشخيص هذا الداء العضال.

الأمانة في مدرسة أمير المؤمنين (عليه السلام)

ليس هنالك أبلغ في تشخيص هذا الداء وتحديد بوصلة النجاة والعبور، مما خطه إمام البلاغة والعدالة الكونية، الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، في عهده التاريخي لمالك الأشتر، لما ولاه مصر. هذا العهد لم يكن مجرد توصيات سياسية عابرة، بل هو دستور أبدي أرسى قواعد "الحوكمة الرشيدة" والأمانة المطلقة في إدارة البلاد والعباد، حيث يقول (عليه السلام):

"شَرُّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلْأَشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيرًا، وَمَنْ شَرِكَهم فِي الْآثَامِ، فَلَا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً، فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَةِ، وَإِخْوَانُ الظَّلَمَةِ، وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَاذِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ، وَأَوْزَارِهِمْ، وَآثَامِهِمْ، مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِمًا عَلَى ظُلْمِهِ، وَلَا آثِمًا عَلَى إِثْمِهِ."

إن مغزى هذا الكلام العلوي يختزل الفارق الجوهري بين وطن يُبنى بسواعد المخلصين، وآخر يُستنزف بأيدي الانتهازيين، فالحضارات لا تسقط بنفاد ثرواتها المادية، بل بنفاد الأمانة من ضمائر رجالاتها. وتتفصل الأمانة لأنواع، منها:

الأمانة في المسؤولية: هي ألا يُقدم الولاء الضيق على الكفاءة الحقيقية، وألا تُباع مقدرات البلاد في سوق المصالح الفئوية الحزبية.

الأمانة في العمل: هي أن يتحول المسؤول من سلطوي جابٍ إلى حارس أمين على طموح الشباب، يمهد لهم طرق البناء والابتكار، بدلاً من دفعهم نحو قوارب الموت، وقهر الهجرة والاغتراب. فإن العبور ببلد أرهقته المحن إلى بر الأمان لا يحتاج إلى معجزات سماوية جديدة، بل يحتاج إلى رجوع صادق وعملي لجوهر الأمانة.

ولو تعمقنا أكثر في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر، لوجدناه يفكك معضلتين هيكليتين في بناء الدولة: بطانة الحكم، ومعايير اختيار القضاة والمسؤولين، من خلال:

1. تفكيك جذور الدولة العميقة والفاسدة:

"شَرُّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلْأَشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيرًا، وَمَنْ شَرِكَهم فِي الْآثَامِ، فَلَا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً."

في هذا الجزء، يضع الإمام علي (عليه السلام) قاعدة استراتيجية في التطهير الإداري والسياسي، أي مكافحة تدوير النفايات السياسية. ويُحذر الإمام الحاكم الجديد (مالك) من الاعتماد على الطبقة البيروقراطية أو المستشارين الذين خدموا الأنظمة الفاسدة أو الظالمة السابقة، فالشخص الذي اعتاد على تمرير الصفقات المشبوهة، وشرعنة الظلم، والتزلف لأصحاب النفوذ، لا يمكن أن يتحول فجأة إلى رجل دولة نزيه. ويرى الإمام أن "البطانة" إذا كانت ملوثة بآثام سابقة، فإنها ستعمل على إعادة إنتاج الفساد نفسه لحماية مصالحها القديمة، ولذلك وصفهم بدقة متناهية: "فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَةِ، وَإِخْوَانُ الظَّلَمَةِ"، والشراكة هنا ليست مجرد عمل وظيفي، بل هي أخوة في المنهج والسلوك.

 2. حدد معيار الكفاءة والنزاهة المطلقة في القضاء والحكم:

"وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَاذِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ، وَأَوْزَارِهِمْ، وَآثَامِهِمْ، مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِمًا عَلَى ظُلْمِهِ، وَلَا آثِمًا عَلَى إِثْمِهِ."

حيث ينتقل الإمام من التحذير إلى البناء، ويضع المعيار الأسمى لاختيار رجالات الدولة. فالإمام لا يقول لمالك: اختر شخصًا جيدًا وكفى، بل يقول له: ابحث عن القمة الأخلاقية والمعرفية في مجتمعك، الشخص الذي ترى فيه أعلى مستويات النزاهة والعدالة.

حيث يؤكد الإمام علي (عليه السلام) أن "أزمة الحكم هي أزمة رجال"، فلو جئت بأفضل القوانين في العالم، ووضعتها بين يدي بطانة فاسدة وقضاة ضعفاء، لتحولت تلك القوانين إلى أدوات لظلم الضعيف وحماية القوي، كما يحدث اليوم عندما يغرق الواقع في شبر ماء، والفاسد يدعي أنه يزيل الفساد، وما هو إلا التخلص من قطع الشطرنج في الصف الأول لرسم صورة نزيهة لنفسه، وتحول من كانوا في الانتظار في الصف الثاني إلى الأول، وليستمتع الشعب بلغة جديدة من الفساد مبتكرة، فالسابق أصبح لا متعة فيه.

الامام علي
القانون
القيم
السياسة
الانسانية
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الثلاثاء 08 ايلول 2026/
    حسن الخلق في ميزان القيامة

    حسن الخلق في ميزان القيامة

    الخميس 03 ايلول 2026/
    الفجر الهاشمي: من سر العرش إلى طينة الأرض

    الفجر الهاشمي: من سر العرش إلى طينة الأرض

    الأحد 30 آب 2026/
    بين صمت المحراب وضجيج السعي

    بين صمت المحراب وضجيج السعي

    الثلاثاء 25 آب 2026/
    على عهد الثقلين: أنين الروح في غيبة النور

    على عهد الثقلين: أنين الروح في غيبة النور

    الثلاثاء 11 آب 2026/
    في محراب التغذية الروحية: كيف تصاغ هوية الإنسان؟

    في محراب التغذية الروحية: كيف تصاغ هوية الإنسان؟

    الأحد 09 آب 2026/

    آخر الاضافات

    عمّى الجمال

    التشكيك بالذات… عنفٌ بلا آثار

    عدوى جلدية نادرة تثير القلق في أوروبا.. هل تتوسع رقعة «تعفن المطر»؟

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    بوحٌ بلا وجوه… حينما تصبح المنصات الملاذ الأخير

    رائحة العرق المزعجة.. أسبابها وطرق الحد منها بفاعلية

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الهيليوم: أكثر من مجرد غاز يجعل صوتك مضحكًا

    آخر القراءات

    كيف تصون جوهرتك الثمينة

    النشر : الخميس 27 تموز 2017
    اخر قراءة : منذ 6 دقائق

    "يوغا الوجه"..هل هي البديل الطبيعي للعمليات التجميلية؟

    النشر : الأحد 29 حزيران 2025
    اخر قراءة : منذ 7 دقائق

    من أسرار العترة الطاهرة في القران الحكيم (4)

    النشر : الأربعاء 17 نيسان 2024
    اخر قراءة : منذ 7 دقائق

    تعرف على الهاتف الأصغر عالميا

    النشر : الخميس 06 آب 2020
    اخر قراءة : منذ 7 دقائق

    المرونة النفسية تنمو تدريجيًا

    النشر : الخميس 10 آب 2023
    اخر قراءة : منذ 7 دقائق

    مع بشرى حياة: انِت سيدة الاناقة

    النشر : الثلاثاء 25 تموز 2017
    اخر قراءة : منذ 7 دقائق

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 491 مشاهدات

    الاهتمام بالرزق.. حين يتحول الهم إلى خطيئة

    • 320 مشاهدات

    نظام الطيبات... عند النبي محمد

    • 316 مشاهدات

    الكيتو قد يساعد في عكس مقدمات السكري وخفض دهون الكبد

    • 301 مشاهدات

    كيف تخفف التهاب الحلق سريعًا؟ خطوات بسيطة تساعد على الشعور بالراحة

    • 301 مشاهدات

    طرق بسيطة قد تساعد على تخفيف أعراض الصداع النصفي أثناء النوبة

    • 299 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1060 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1022 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1007 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 961 مشاهدات

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    • 800 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 718 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    عمّى الجمال
    • الخميس 10 ايلول 2026
    التشكيك بالذات… عنفٌ بلا آثار
    • الخميس 10 ايلول 2026
    عدوى جلدية نادرة تثير القلق في أوروبا.. هل تتوسع رقعة «تعفن المطر»؟
    • الخميس 10 ايلول 2026
    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر
    • الأربعاء 09 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة