الهيليوم ليس مجرد الغاز الذي يوضع في البالونات فيجعل الصوت يبدو مضحكًا عند استنشاقه. فهذا الغاز يدخل في مجموعة واسعة من الاستخدامات، بدءًا من تقنيات الأبحاث الطبية والمفاعلات النووية، وصولًا إلى المناطيد التي تحلق فوق ملاعب كرة القدم. وعلى الرغم من أن الهيليوم يُعد من أكثر العناصر وفرة في الكون، فإنه نادر نسبيًا على كوكب الأرض، كما أن عدد الأماكن التي يمكن فيها إنتاجه بصورة مجدية اقتصاديًا محدود. وقد أثار ذلك مخاوف بشأن ما قد يحدث إذا نفدت إمداداته.
أصول الهيليوم
الهيليوم نادر جدًا على الأرض لدرجة أن وجوده اكتُشف أولًا من خلال دراسة الشمس. ولا يشكل الهيليوم سوى نسبة ضئيلة جدًا من الغلاف الجوي للأرض، إذ تبلغ نحو 0.0005%.
يوجد الهيليوم الأرضي بصورة رئيسية في مكامن الغاز الطبيعي، ومنها مكامن في الولايات المتحدة، وكذلك في دول أخرى مثل روسيا وقطر والجزائر وكندا.
وعلى عكس بعض العناصر التي يمكن إعادة تكوينها أو الحصول عليها من مصادر متعددة، يتكوّن الهيليوم داخل القشرة الأرضية ببطء شديد نتيجة التحلل الإشعاعي الطبيعي لعناصر ثقيلة مثل اليورانيوم والثوريوم. وعندما يتسرب إلى الغلاف الجوي، يمكن أن يفلت تدريجيًا إلى الفضاء، ولذلك يُعد موردًا محدودًا على الأرض. (ScienceDirect)
الخصائص الفريدة للهيليوم
ما الذي يجعل الهيليوم مهمًا إلى هذه الدرجة؟
أحد أهم أسباب ذلك هو قدرته على البقاء في الحالة السائلة عند درجات حرارة شديدة الانخفاض. فللهيليوم أدنى نقطة غليان بين العناصر، إذ يغلي الهيليوم السائل عند نحو −269 درجة مئوية. وهذه الخاصية تجعله من أهم المواد المستخدمة في تقنيات التبريد فائق الانخفاض، أو ما يُعرف بالتبريد العميق.
ويُستخدم الهيليوم السائل بصورة خاصة في تبريد المغناطيسات فائقة التوصيل، ومنها المغناطيسات الموجودة في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI). وتحتاج هذه المغناطيسات إلى درجات حرارة شديدة الانخفاض حتى تتمكن من العمل في حالة التوصيل الفائق وتوليد المجالات المغناطيسية القوية اللازمة لتكوين صور دقيقة داخل جسم الإنسان. (RSNA)
ولا يقتصر استخدام الهيليوم على أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي؛ فهو يدخل أيضًا في الأبحاث العلمية منخفضة الحرارة، وصناعة أشباه الموصلات، والألياف الضوئية، وتقنيات الحوسبة الكمومية، وصناعات الطيران والفضاء وغيرها من التطبيقات المتقدمة. (ScienceDirect)
كما أن الهيليوم غاز خامل كيميائيًا، أي أنه لا يتفاعل بسهولة مع المواد الأخرى، وهو ما يجعله مفيدًا في العديد من العمليات الصناعية التي تتطلب بيئة غير تفاعلية.
احتياطي الهيليوم
المشكلة الأساسية هي أن الهيليوم الموجود على الأرض مورد محدود. فعملية تكوّنه الطبيعية بطيئة للغاية، ولذلك لا يمكن تعويض الهيليوم الذي يتسرب إلى الغلاف الجوي بسهولة.
وفي عام 1925 أنشأت الحكومة الأمريكية احتياطيًا وطنيًا للهيليوم بالقرب من أماريلو في ولاية تكساس، وكان الهدف الأساسي منه تخزين الهيليوم لاستخدامه في المناطيد لأغراض عسكرية.
وفي العقود اللاحقة قررت الحكومة الأمريكية تقليص دورها في تجارة الهيليوم وبيع جزء كبير من مخزونها، وهو ما أدى إلى تغييرات كبيرة في سوق الهيليوم. وقد ساهمت هذه السياسات، إلى جانب زيادة الطلب العالمي، في إثارة مخاوف بشأن استقرار الإمدادات مستقبلًا.
لكن من المهم التمييز بين نقص الإمدادات على المدى القصير وبين نفاد الهيليوم من الأرض بالكامل. فالتقديرات الحديثة تشير إلى أن المشكلة الأساسية تتمثل في محدودية مصادر الإنتاج، وتركيزها في عدد قليل من الدول، إضافة إلى الاضطرابات السياسية ومشكلات النقل وسلاسل الإمداد. (RSNA)
هل يواجه العالم نقصًا عالميًا في الهيليوم؟
لطالما حذر العلماء من أن إمدادات الهيليوم ليست غير محدودة. وإذا أصبحت الإمدادات شحيحة للغاية، فقد ترتفع تكاليف العديد من المنتجات والخدمات التي تعتمد عليه، وقد تتأثر بعض الأبحاث والتقنيات التي تحتاج إلى الهيليوم السائل بصورة خاصة.
ومن أهم المجالات التي قد تتأثر أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي. فهذه الأجهزة التقليدية تعتمد على الهيليوم السائل لتبريد المغناطيسات فائقة التوصيل. ويحتاج جهاز الرنين المغناطيسي التقليدي عادةً إلى كميات كبيرة من الهيليوم السائل، وإن كانت الأجهزة الحديثة ذات الأنظمة المغلقة قادرة على تقليل الكمية المطلوبة بدرجة كبيرة. (RSNA)
ولا يعني ذلك أن أجهزة الرنين المغناطيسي ستتوقف جميعها إذا حدث نقص في الهيليوم. فقد بدأت الشركات بالفعل في تطوير أنظمة تستخدم كميات قليلة جدًا من الهيليوم أو تعتمد على تقنيات تبريد تقلل الحاجة إلى إعادة تعبئة الهيليوم. (PubMed Central (PMC))
كما يمكن إعادة تدوير الهيليوم في بعض التطبيقات، وهو أمر مهم جدًا لتقليل الهدر. وقد أصبحت العديد من أجهزة الرنين المغناطيسي الحديثة مزودة بأنظمة لاستعادة الهيليوم وإعادة استخدامه. (RSNA)
وفي السنوات الأخيرة، تسببت اضطرابات الإنتاج والنقل في بعض الدول المنتجة في حدوث ضغوط على سوق الهيليوم. وقد دفعت مثل هذه الأزمات بعض المختبرات إلى تقليل استخدام الهيليوم أو تأجيل تجارب تعتمد على الهيليوم السائل، في حين بقيت الخدمات الطبية، ومنها التصوير بالرنين المغناطيسي، من الاستخدامات التي تحظى بأولوية عالية. (RSNA)
فهل سينفد الهيليوم تمامًا؟
ليس من الدقيق القول إن العالم على وشك أن يستيقظ يومًا ما ليجد أن كل الهيليوم قد اختفى. المشكلة أكثر تعقيدًا من ذلك. فالهيليوم موجود في مكامن طبيعية كبيرة، لكن استخراجه اقتصاديًا يتطلب وجوده بتركيزات مناسبة، كما أن إنتاجه ونقله وتخزينه يعتمد على بنية تحتية متخصصة.
لذلك فإن الخطر الحقيقي يتمثل في صعوبة الحصول على الهيليوم بتكلفة مناسبة وبإمدادات مستقرة، وليس بالضرورة في اختفائه الفوري من الأرض.
ولهذا السبب يتجه العلماء والصناعات إلى ثلاثة حلول رئيسية: اكتشاف مصادر جديدة للهيليوم، وإعادة تدويره واستخدامه بكفاءة أكبر، وتطوير تقنيات لا تعتمد عليه أو تحتاج إلى كميات أقل منه.
وفي النهاية، قد تبدو بالونات أعياد الميلاد الاستخدام الأكثر وضوحًا للهيليوم، لكنها في الواقع تمثل جزءًا بسيطًا من قصة هذا العنصر. فالهيليوم يساعد في تشغيل تقنيات طبية متقدمة، ويدعم الأبحاث العلمية، ويدخل في الصناعات الإلكترونية والفضائية، ولذلك فإن الحفاظ على هذا المورد النادر أصبح قضية علمية وصناعية مهمة. (ScienceDirect).








اضافةتعليق
التعليقات