يخطئ كثيرون حين يظنون أن وقوفهم مع “الحق” أو دفاعهم عن شخص يحبونه يمنحهم ترخيصًا مفتوحًا للصراخ، أو الإهانة، أو التجريح. نسمع عبارات تُقال بثقة غريبة مثل: «لساني طويل عندما يقترب أحد من أحبتي»، وكأن فقدان السيطرة أصبح دليل وفاء لا علامة خلل في الوعي والسلوك.
الدفاع عن الأحبة أمر إنساني، بل واجب في أحيان كثيرة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الدفاع إلى غضب أعمى لا يميّز بين الخطأ والانتقام، ولا بين الحزم والعدوان. الحق معك؟ جيد. لكن السؤال الأهم: هل أسلوبك عادل؟ وهل يخدم الحق فعلًا أم يسيء إليه؟
الحقيقة التي لا يحب كثيرون الاعتراف بها أن الحق لا يبرر سوء الخلق. كم من موقف كان يمكن احتواؤه بالحوار، فتحول إلى صراع مفتوح بسبب كلمة جارحة أو نبرة متعالية؟ وكم من حق ضاع لأن صاحبه قدّمه بطريقة هجومية أفقدته التعاطف والمصداقية؟
الأسلوب ليس تفصيلًا ثانويًا، بل جزء من جوهر الموقف. فالدين والأخلاق لا يفصلان بين المبدأ والسلوك. قال الله تعالى:
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾،
ولم يقل: ادفع بالصوت الأعلى أو بالغضب الأسرع. القوة الحقيقية ليست في الانفجار، بل في القدرة على ضبط النفس، واختيار الكلمات التي تُصلح بدل أن تحرق الجسور.
قبل أن ترفع صوتك، اسأل نفسك بصدق:
هل تحققت من حقيقة ما حدث؟
هل فهمت دوافع الطرف الآخر؟
هل هدفك حماية من تحب أم تفريغ غضبك الشخصي؟
الكثيرون يخلطون بين الغيرة والعدوان، وبين الحماية وفرض السيطرة. فيظنون أن القسوة رسالة قوة، بينما هي في الواقع اعتراف ضمني بالعجز عن الإقناع. الهدوء لا يعني الضعف، بل يعني أنك تملك زمام نفسك. والكلام الواضح المهذب لا يقلل من هيبتك، بل يرفعها ويجعل موقفك أكثر تأثيرًا.
الحب الحقيقي لا يُقاس بالصراخ ولا بالتهديد، بل بقدرتك على حماية من تحب دون أن تظلم غيرك، ودون أن تخسر قيمك في الطريق. من يصرخ باسم الحب قد يجرح من يحب أكثر مما يحميه، أما من يوازن بين العدل والرحمة فيبني احترامًا يدوم.
في النهاية، تذكّر: الحب بلا أخلاق يتحول إلى عنف، والحق بلا أسلوب يتحول إلى ظلم. اجعل كلماتك أداة بناء لا وسيلة أذى، وكن قويًا بما يكفي لتدافع عن الحق بعقل هادئ، لا بغضب عشوائي.








اضافةتعليق
التعليقات