يقفُ هناك، عِند عَتبةِ الصمت، يحملُ في يمناه فرشاةً بكرًا لم تلمسها خطيئةُ الألوان بعد، وفي يسراه دلوٌ يغلي بسوادٍ فاحم، كأنه قطعةٌ من ليلٍ سحيق. تطلُ أمامه غرفةٌ هي مرآةُ النقاء؛ جدرانٌ ناصعة تتنفسُ الضياء، وسكونٌ يشبه صلاةً لم تكتمل.
بخطواتٍ وئيدة، يشوبها فضولٌ طفوليّ مريب، دخل المحرابَ الأبيض. غمس الفرشاة في جوف السواد، وبدأ يلطخُ ذلك النقاء برغبةٍ عارمة وفرحٍ غريب، كأنه يرسمُ قدره بيديه ضربةٌ تلو ضربة، بقعةٌ تتبعها بقعة، حتى غصّت الجدرانُ بالعتمة، وتوارى الضياءُ خجلاً خلف حركات السواد الفاحم. لم يسلم منه شيء؛ يداه، ثيابه، ملامح وجهه التي غابت خلف قناعٍ من دُجن، صار جزءاً من تلك الغرفة المظلمة التي صنعها بنفسه! وقف للحظة، يلتقطُ أنفاسه وسط هذا الركام اللوني ونظر خلفه.. لو استدار به الزمان أكان سيعيدُ ذبح البياض؟ صرخ نبضه بـ"لا" مدوية، ولكن بعد أن استنزف النور؛ إنها ليست مجرد غرفة، بل هي هندسةُ أرواحنا هكذا هي الذنوب حين تتسلل إلى جدران القلب؛ لا تأتي دفعةً واحدة بل تبدأ كنكتةٍ سوداء صغيرة، نستعذبُ ملمسها في البداية، ثم ما نلبث أن نحول قلوبنا إلى ركامٍ من الفحم الأسود. الرسمة الأولى تفتحُ الباب لأخرى، والذنبُ يجرّ خلفه ذيولاً من الظلام، حتى ننسى لون البياض الأصيل الذي وُلدنا فيه، وليس الذنبُ وحده من يحترف السواد، بل هو اليأس أيضاً؛ ذلك المتسلل الذي يبدأ بظنٍّ سيئ، أو خيبةٍ عابرة، فنطلي بها آفاقنا ومستقبلنا، حتى نسجن أنفسنا في غرفةٍ مظلمة لا نرى فيها إلا القنوط، ولا نشتمّ فيها إلا رائحة العجز.
لكن.. ثمة رحمةٌ في الخيال
لحسن الحظ، انكسر حاجز الحلم على صخرة الحقيقة. أفاق من غيبوبة الخيال ليجد نفسه ما يزال واقفاً عند العتبة، الفرشاةُ ما زالت بيضاء نظيفة، والجدرانُ ما زالت تعكسُ نور الشمس الدافئ، لم يتلوث شيءٌ بعد، وضع الدلو جانباً، وألقى بالفرشاة بعيداً عن حيز النقاء.
تراجع خطوةً، بل أميالاً عن تلك الهاوية، مدركاً أن الحفاظ على بياض الغرفة أهون بألف مرة من محاولة كشط السواد عنها بعد فوات الأوان.
حياتنا هي تلك الغرفة، والقرارُ -دائماً- يبدأ من تلك اللحظة التي تسبقُ غمس الفرشاة.








اضافةتعليق
التعليقات