تظل الحقيقة الإلهية شمسًا مشرقة لا تحجبها غمام الشبهات، ولا تطفئ جذوتها صدمات العصور؛ إذ يتجلى حفظ الله تعالى لدينه وكتابه كقانون كوني سرمدي، وقدر نافذ ينبثق من أزلية العلم الإلهي وإحاطته. إن المتأمل في الصيرورة التاريخية للرسالة الخاتمة يدرك أن الاستمرارية ليست مجرد مظهر للتراكم الحضاري، بل هي تجلٍ صادق للوعد الرباني الجازم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾؛ وعدٌ جازم يتجاوز حدود الزمن، ويلغي طوارئ الحدثان.
وقد استهدفت العصور المتتالية غمر هذا النور الإلهي بمحاولات حثيثة لطمس العقيدة وتشويه ينابيعها، بيد أن التأييد السماوي يقف بالمرصاد لكل شطط يبتغي خبو هذا الوعد المضيئ. وفي هذا المضمون المكتنز بالثبات يقول الحق سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. تُبين هذه الآية فلسفة التدافع؛ حيث تتلاشى مساعي المحو أمام الإرادة المطلقة، ليبقى الدين الحنيف شامخًا لا تزعزعه كوابس العواصف ولا تحريف الغلاة، وهنا نستذكر قول الباري عزوجل وهو يتحدث عن صيانة الكتاب من التبديل والباطِل، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾.
وهنا أكدت الآية الامتناع الذاتي للكتاب المقدس عن التطرق أو التحريف، ولا ينفصل الحفظ الإلهي عن سنّة الأسباب؛ إذ إن وعد الباري بالديمومة لا يعني الجمود، بل يستنفر الطاقات البشرية المخلصة لتكون أداةً لهذا النفاذ، وقد قال الباري في سياق التعهّد: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، ويتجلى لنا في هذه الآية إرادة التمكين والغلبة للحق مهما بلغت التحديات.
إن الذين ينهضون بالرسالة، ويذودون عن حياض العقيدة، ويجددون للناس أمر دينهم، إنما هم مجتبَوْن ليشاركوا في تحقيق هذا الحفظ المقدّر، ومن شاء أن يشارك في نشر الرسالة فلهو توفيقٌ عظيم لا يُدرك. ولابد أن نعي إن ثبات الدين بقاءٌ لا ينقطع، وأن حملة اللواء لا يخلون من أصلاب هذه الأمة مهما ادلهمت الظلمات.
إن الانتداب للقيام بأعباء الرسالة ونشر أنوارها ليس صدفة عابرة، بل هو توفيقٌ إلهيٌ سامٍ اصطفى الله به أفئدة نيرة وشحذ به هممًا مؤيدة. فالحفظ ليس مجرد حراسة للنصوص بين الدفتين، بل هو بثُ المفاهيم للأرواح، وحماية للمعاني من التزييف، وتجسيدٌ عملي لروح الشريعة في السلوك والواقع. فالسالك في هذا الدرب لا يدافع عن الكيان الديني بفرديته، بل هو مجندٌ في مظلة الوعد السرمدي الذي تكفل به رب الأرباب.
وهنا يتضح إن استماتة الأغيار في خبو النور الإلهي لم تزد هذا الدين إلا صقالةً وثباتًا، فالباطل زاهقٌ بضرورة العقل وسنّة الخلق. وطوبى لمن جعل من وجوده جسرًا تتنزل عبره آلاء التمكين، فاستحال سبباً مقدوراً في إنفاذ الوعد الأزلِي؛ إذ ينقضي البشر وتفنى الأعصار، ويبقى ذكر الله سائداً، ونوره غامراً، وحفظه قائماً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.








اضافةتعليق
التعليقات