أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية، حتى بات من الصعب على الفرد الاستغناء عنها ولو لبضع ثوانٍ، لما تحتويه من مختلف جوانب الحياة، كالطب، والتعليم، والأخبار، والاحتياجات اليومية، وغيرها. وأصبح التجول المستمر في هذه المواقع، وترك التعليقات والإعجابات ومشاركة المنشورات، سلوكًا يوميًا لدى كثير من الناس.
لكن، هل كل ما يُنشر صالح للنشر؟ وما هو التلوث السمعي والبصري الذي بات يرافق محتوى مواقع التواصل الاجتماعي؟ ولماذا أصبحت خصوصية العائلة متاحة أمام الجميع؟
عزيزي القارئ، لو سحبت هاتفك الآن وبدأت تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، فماذا سترى؟ قد تجد، مثلًا، منشورًا أو قصة لشخص يظهر فيها مع زوجته وهما يتناولان القهوة في السيارة، مع إظهار تفاصيل من حياتهما الخاصة أمام الملأ، بحجة الحرية والتطور. وقد تجد منشورًا آخر لأطفال يقومون ببعض المقالب أو السلوكيات غير اللائقة، بينما يقوم الأبوان بتصويرهم ونشر هذه المقاطع، وكأن طفولة أبنائهم أصبحت مادة لتحقيق المشاهدات والتفاعل.
وقد تجد أيضًا محتوى يتضمن تعذيب الحيوانات أو السخرية منها. ومع ذلك، لسنا هنا بصدد انتقاد الجانب السلبي فقط، أو تصوير مواقع التواصل الاجتماعي بصورة قاتمة؛ فهناك أيضًا محتوى إيجابي ومفيد، وقنوات تربوية وتعليمية وتحفيزية ودينية، ومنشورات بنّاءة تسهم في خدمة المجتمع.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما حجم المشاهدة التي تحصل عليها هذه المحتويات الهادفة، مقارنة بالمحتويات التي تقوم على الإثارة، وكشف الخصوصيات، والمقالب والسلوكيات غير الهادفة؟ وأي نوع من المحتوى أصبح يحظى بالصدارة والتفاعل الأكبر؟
بعد استعراض هذه الأمثلة، نصل إلى البحث عن الأسباب والحلول. فعندما يُظهر الزوج زوجته أمام الملأ بكامل زينتها، أو عندما ينشر تفاصيل دقيقة عن حياته العائلية دون فائدة حقيقية، ماذا يريد أن يقول؟ هل يريد أن يثبت أن الحب موجود بينهما؟ أم أنه يبحث عن المشاهدات والتفاعل؟ أم أنه يعتقد أن ذلك يدخل ضمن حريته الشخصية؟
الحرية لا تعني الفوضى، ولا تعني إتاحة كل تفاصيل الحياة الخاصة أمام الآخرين. فالزوج الحقيقي هو الذي يصون خصوصية زوجته وكرامتها، والأب والأم مسؤولان عن احتواء أبنائهما، وتطوير مهاراتهم، والحفاظ على خصوصيتهم؛ لأنهم أمانة.
ومن الحلول المطروحة وضع ضوابط قانونية واضحة للمحتوى غير الهادف أو المسيء، مع فرض غرامات على المخالفات الجسيمة، وإيقاف الحسابات التي تتعمد نشر المحتوى المسيء أو الذي يهدد القيم المجتمعية، مع إخضاع الحالات التي تستوجب ذلك للمساءلة القانونية.
ومن الأسباب التي تقف وراء انتشار هذا النوع من المحتوى: التقليد، والجهل بخطورة بعض الممارسات، وغياب الوعي الديني والأخلاقي، فضلًا عن السعي وراء الشهرة والمشاهدات بأي وسيلة. ونحن مجتمع يدّعي التمسك بالقيم الإسلامية والحفاظ على كرامة المرأة والأسرة، لذلك نحن بحاجة إلى مراجعة ما ننشره وما نستهلكه من محتوى.
ومن الحلول المهمة أيضًا مقاطعة المنشورات المسيئة وعدم منحها المشاهدات والتفاعل، مع توجيه النقد البناء لأصحابها، فضلًا عن قيام الجهات المعنية بدورها في الحد من المحتويات التي تتعمد الإساءة إلى المجتمع أو تهديد منظومته الأخلاقية.
أما على مستوى الأسرة، فتبرز أهمية متابعة الآباء والأمهات لما يشاهده أبناؤهم على هواتفهم، وبناء علاقة قائمة على الثقة والصداقة والحوار، حتى يتمكنوا من معرفة ما يتابعونه وما قد يؤثر في أفكارهم وسلوكياتهم. ومع ذلك، من المؤسف أن نرى أحيانًا أن الكبار أنفسهم هم من يقدمون نماذج غير لائقة في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي.
مواقع التواصل الاجتماعي نعمة، فلماذا نحولها إلى نقمة؟ ولماذا نسمح لمن يريد هدم القيم والمبادئ بأن يجد مساحة واسعة لنشر أفكاره؟ فالإنترنت والبرامج والتطبيقات أدوات، ونحن من يقود استخدامها، لا هي التي تقودنا.
إذن، نحن بحاجة إلى فلترة ما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى تتراجع هذه الترسبات، ويأخذ المحتوى الهادف والقيم مكانته الحقيقية من المشاهدة والتفاعل. فالهجمة على وعي الشباب وقيمهم مستمرة، والعمل على تحصينهم مسؤولية مشتركة.
دعونا بالقلم والصورة والموقف نثبت أننا أصحاب قيم ومبادئ، وأن ما ننشره ينبغي أن يكون له أثر إيجابي في الفرد والمجتمع. ولنصنع لغة حوار ثقافية راقية يتبادل فيها الأفراد الآراء حول مختلف الموضوعات، بعيدًا عن الجدلية والعنصرية والإساءة التي تظهر أحيانًا في بعض المنشورات.
كان هدفنا من هذا النقد الحضاري أن نروي عقولنا من زمزم الثقافة والمعرفة، لا أن نغرقها في محتوى يستهلك وقتنا ويستنزف قيمنا.


اضافةتعليق
التعليقات