أظن أن العلم قد خدم العالم حين أضاف الدكتوراه إلى مراتب التحصيل العلمي، ومنح بعض الناس شعورًا بالعظمة، وكأن الألقاب الأكاديمية قادرة على ترميم ما ينقص الإنسان من شعور بالقيمة. فراح كثيرون يركضون بجنون خلف هذه المسميات، لا حبًّا بالعلم دائمًا، بل بحثًا عن المكانة الاجتماعية والتصفيق ونظرات الإعجاب.
لكن المأساة الحقيقية ليست في الألقاب ذاتها، ولا في مهنة الطب التي نجلّها ونحترم رسالتها الإنسانية، بل في العقلية التي اختزلت النجاح كله في معطف أبيض، وكأن الإنسان لا يصبح جديرًا بالفخر إلا إذا ارتداه!
إنها عقدة اجتماعية عميقة، تتغذى على جهل البعض بقيمة التخصصات الأخرى، وعلى اعتقاد راسخ بأن الطبيب وحده يستحق أن يُشار إليه بالبنان، وأن بقية المهن ليست سوى مراتب أقل شأنًا في سلّم المجتمع. وهنا يأتي دور غيلان التجارة، الذين أدركوا جيدًا كيف يستثمرون هذه العقدة، فوسّعوا أبواب التخصصات، وأحاطوا بعضها ببريق المعطف الأبيض، ليضمنوا استمرار تدفق الأموال، فيما يظل الحلم الأكبر لدى بعض العائلات أن يروا أبناءهم يرتدون تلك السترة، مهما كان الثمن.
وما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو مشهد انهيار إحدى الأمهات، التي كانت تنتظر نتيجة ابنتها بقلق شديد. وحين ظهرت النتيجة، انهارت الأم لأنها لم تستطع أن ترى ابنتها على مقاعد كلية الطب، ولأن تكاليف الجامعات الأهلية مرتفعة جدًّا.
والأمر الذي يثير الأسئلة بعد دخول الفرد إلى هذه الجامعات: هل يبقى هذا الطبيب كما هو، ويحمل الرأفة والإنسانية في قلبه؟ أم يتحول إلى وحش جشع يرى الآخرين بعين الطمع، ويجب أن ينتفع من ورائهم؟ يا تُرى، كم تبلغ تكلفة الجامعات الأهلية كي يتخرج الطبيب ويكمل الماجستير؟ هل سيبقى محافظًا على نيته الصافية ومساعدة الآخرين؟ أم سيرى المرضى بوصفهم سلعة يجب أن يسترجع من خلالها أمواله التي دفعها لأجل الجامعة ومشتقاتها؟
وفي خضم هذا الجنون، ننسى أن قيمة الإنسان لا يحددها اسم الكلية التي تخرج منها، ولا لون الرداء الذي يرتديه، ولا اللقب الذي يسبق اسمه؛ إنما تحددها البركة التي يتركها أينما حلّ، والأثر الذي يصنعه في حياة الآخرين.
فكم من طبيب يحمل أعلى الشهادات، لكنه لا يخفف وجعًا، ولا يواسي مريضًا، ولا يرى في الإنسان سوى رقم في سجل العيادة! وكم من معلم، أو ممرض، أو عامل، أو صاحب مهنة بسيطة، كان الله قد أجرى الخير على يديه، فأنقذ نفسًا من اليأس، أو علّم عقلًا، أو جبر قلبًا، أو فتح باب أمل في حياة إنسان!
إننا لا نحتاج إلى أبناء يحملون ألقابًا تثير إعجاب الناس بقدر ما نحتاج إلى أبناء يكونون مباركين أينما كانوا؛ إن دخلوا بيتًا أدخلوا معه الطمأنينة، وإن عملوا في مؤسسة تركوا فيها أثرًا طيبًا، وإن جلسوا إلى إنسان نفعوه بعلمهم أو أخلاقهم أو رحمتهم.
البركة ليست أن تصل إلى المكان الذي يصفق لك الناس فيه، بل أن تكون في المكان الذي ينتفع بك الناس فيه.
لعل أجمل ما يختصر هذه الحقيقة قول الله تعالى على لسان نبيه عيسى عليه السلام:
﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾.
لم تكن أمنية عيسى عليه السلام أن يكون أعظم الناس مكانة في أعينهم، بل أن يجعله الله مباركًا أينما كان. فالبركة هي أن يكون وجود الإنسان نافعًا، وحضوره خيرًا، وعلمه هداية، ويده عونًا، وأن يترك مروره في حياة الآخرين أثرًا لا تمحوه الأيام.
وفي النهاية، هذه مسميات مبجلة في عالم الدنيا، ولا يمكنها أن تكون شفيعة لنا في يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
«إنّ الله عزّ وجلّ يحبّ معالي الأمور، ويكره سفسافها».
نعم، إنّ الله يحبّ منا معالي الأمور، ويحبّ أن نسعى نحو الأفضل، وأن نرتقي بعلمنا وعملنا، وأن نبلغ مراتب الكمال ما استطعنا؛ ولكن، هل سألنا أنفسنا يومًا: إلى أين نريد أن نصل؟ ولماذا نريد الوصول؟
ليس الخطأ أن يطمح الإنسان إلى لقب الطبيب، أو الأستاذ، أو صاحب أعلى الشهادات، بل الخطأ أن تصبح هذه الألقاب غايته النهائية، وأن يقيس قيمة الإنسان بما يحمله من ألقاب، لا بما يقدّمه من خير، ولا بما يتركه من أثر.
إنّ معالي الأمور لا تُقاس بعلوّ الألقاب وحدها، بل بسموّ الغايات التي تقف خلفها.
وفي النهاية، فلنرسّخ هذه الرواية في قلوبنا عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله):
«لا تعلّموا العلم لتماروا به السفهاء، وتجادلوا به العلماء، ولتصرفوا وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم ما عند الله، فإنّه يدوم ويبقى وينفد ما سواه».
كل شيء سيفقد لونه إن كان لغير الله. هذه الألقاب، وما نملك، وأكبادنا كلها تكون مباركة إن كانت لله، وإلا فليست إلا مجرد عبء!








اضافةتعليق
التعليقات