من أسهل الأدوار التي تؤديها النفس البشرية أن ترتدي ثوب القاضي؛ فانتقاد أخطاء الآخرين يمنحنا شعورًا مريحًا، وقد يوهمنا أحيانًا بتفوّقٍ أخلاقي نظن أنه لا يحتاج إلى برهان. لكن المفارقة الأكثر إثارة ليست في أننا ننتقد الخطأ، بل في أن نستنكِره بشدة بينما نقع فيه نحن، علنًا أو خفاءً، مستترين بطبقاتٍ من الأعذار.
يكفي أن نتأمل تفاصيل حياتنا اليومية لنرى هذا التناقض يتكرر:
داخل الأسرة: يغضب الأب لأن طفله يقضي ساعات طويلة أمام الشاشات، بينما لا يكاد يرفع عينيه عن هاتفه وهو يجلس مع أسرته. يطالب أبناءه بالحوار الهادئ، لكنه لا يخاطبهم إلا بنبرة حادة.
في العمل: يلوم الموظف زميله على تأخر بضع دقائق أو تقصير في مهمة، بينما يجد لتأخره المتكرر عشرات المبررات؛ مرة بسبب ضغط العمل، وأخرى بسبب الإرهاق أو كثرة المسؤوليات.
في العلاقات الإنسانية: نتألم من برود صديق أو تأخره في السؤال عنا، ثم ننسى كم مرة مررنا نحن بصمت على احتياج الآخرين، أو اعتذرنا بانشغالنا حين كانوا ينتظرون كلمة أو موقفًا.
غالبًا ما نقيس أفعال الآخرين بما يظهر منها، بينما نقيس أفعالنا بنوايانا وظروفنا. لذلك يبدو خطؤهم أكبر من خطئنا، لا لأنه أعظم بالضرورة، بل لأننا نرى ظاهر أفعالهم، بينما نعرف دوافع أنفسنا وأعذارها.
ليس كل نقدٍ للآخرين انعكاسًا لعيبٍ نخفيه في أنفسنا؛ فكثير من النقد مشروع، بل قد يكون واجبًا عندما يتعلق بظلم أو أذى أو تجاوز واضح. لكن علم النفس يشير إلى أن الإسقاط النفسي، وهو إحدى آليات الدفاع النفسي، قد يدفع الإنسان أحيانًا إلى نسبة صفات أو مشاعر أو دوافع إلى الآخرين، بينما يصعب عليه الاعتراف بوجودها في نفسه.
فعندما يطالب المرء الآخرين بالصدق وهو يراوغ، أو يدعو إلى الصبر وهو يجزع عند أول اختبار، فقد يكون ذلك تعبيرًا عن صراع داخلي لم يواجهه بعد، وليس بالضرورة عن نفاقٍ متعمد. لذلك فإن بعض ما يثير انفعالنا تجاه الآخرين قد يكون، في بعض الحالات، مرآةً لما نهرب من مواجهته في ذواتنا.
وقد يمنح الانتقاد الحاد الإنسان شعورًا مؤقتًا بالنزاهة، وكأن إدانة الخطأ تكفي لإثبات البراءة منه، مع أن الفضيلة لا تُقاس بما نقوله عن الأخطاء، بل بما نفعله عندما نواجهها في أنفسنا.
فالاعتراف بالنقص مؤلم، أما إدانته في الآخرين فأيسر وأقل كلفة.
وقفة أمام المرآة
قبل أن تشير بإصبع اللوم إلى شريك، أو طفل، أو زميل، أو صديق بسبب تصرفٍ أزعجك، امنح نفسك لحظة صادقة واسأل:
هل أنا بعيد حقًا عن هذا السلوك؟ أم أنني أمارسه بصورة أخرى، وفي ظرف مختلف؟
ليس المقصود أن نتوقف عن نقد الخطأ، ولا أن نتسامح مع الظلم، بل أن نبدأ بإصلاح أنفسنا قبل الانشغال بإصلاح غيرنا.
وقد لخّص الإمام علي بن أبي طالب (ع) هذا المعنى بقوله:
«طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس.»
فالتغيير الحقيقي لا يبدأ من اعتلاء منصة الوعظ، بل من الشجاعة في الوقوف أمام مرآة النفس. فمن اعتاد محاسبة ذاته أصبح أعدل في أحكامه، وأرحم بالناس؛ لأن معرفة الإنسان بضعفه تورثه تواضعًا، والتواضع هو أول أبواب الإصلاح الحقيقي.








اضافةتعليق
التعليقات