• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟

زينب مشتاق الموسوي / الأثنين 03 آب 2026 / تربية / 580
شارك الموضوع :

الأربعين ليس مجرد رحلة يصل فيها الإنسان إلى الحسين؛ إنه تجربة يتعلم فيها كيف يصل إلى الإنسان

كان الطفل يحمل إبريق الماء بكلتا يديه، كأنّه يحمل شيئًا أثقل من عمره. وقف عند حافة الطريق، يراقب الوجوه المتعبة، ثم مدّ الإبريق نحو رجل لا يعرفه، فابتسم وقال:

— اشرب يا عم، بقي قليل.

لم يسأله من أين جاء، ولا إلى أين يمضي، ولا كم بقي له من الطريق. ولم ينتظر شكرًا. كان ينظر فقط إلى الكأس الفارغة، كأن امتلاءها شأن شخصي يخصّه.

مررتُ به، وظل السؤال يرافقني: كيف يتعلّم طفل، في طريق الأربعين، أن الإنسان قد يصبح مسؤولًا عن عطش إنسان لا يعرف اسمه؟

في الأيام العادية، نحتاج إلى مقدمات طويلة كي نقترب من بعضنا. نسأل: من أنت؟ ماذا تعمل؟ من أي مدينة جئت؟ ثم نقرر، بصمت، مقدار المسافة التي نتركها بيننا وبينك. لكن شيئًا غريبًا يحدث في الطريق إلى الحسين؛ تختصر الأسئلة، وتتراجع الأسماء، ويصبح التعب بطاقة التعارف الوحيدة.

رجل يربت على كتف آخر حين يراه يبطئ. امرأة تضع الطعام في يد زائرة قبل أن تطلبه. شاب يركض خلف رجل نسي حقيبته، ثم يعود ضاحكًا كأنّه أنجز مهمة عظيمة. وفي موكب صغير، لا يملك أصحابه إلا قدرًا واحدًا وعددًا محدودًا من المقاعد، يصرّ رجل مسنّ على الوقوف كي يجلس غريب متعب.

لا أحد يعلن أنه كريم. الكرم هنا لا يحتاج إلى تعريف؛ إنّه يتحرك بهدوء، مثل اليد التي تمتد بالكأس قبل أن يطلبها العطشان.

وربما لهذا يبدو الطريق، في بعض لحظاته، كمدينة خرجت من قوانين العالم المعتادة. مدينة بلا أبواب تقريبًا، ولا أحد فيها يسأل عن ثمن الضيافة. تتجاور فيها لهجات كثيرة، وتختلف الوجوه والبلدان والأعمار، لكن الجميع يعرف، من دون اتفاق، كيف يتصرف حين يرى إنسانًا يحتاج إلى شيء.

حتى الطرافة تجد مكانها وسط التعب. قد يصرّ صاحب موكب على أن تأكل للمرة الثالثة، ثم ينظر إلى اعتذارك كما لو أنك ارتكبت خطأً شخصيًا. وقد يضع طفل قطعة حلوى في يدك، ثم ينسحب مسرعًا قبل أن تشكره، كأنّه يخشى أن تعيدها إليه. تبتسم، وتكمل السير، لكنك تدرك أن الطريق لا يوزع الطعام وحده؛ إنه يوزع أسبابًا صغيرة تجعل الإنسان أقل قسوة.

ومع ذلك، ليس كل ما في الطريق سهلًا.

هناك قدم تؤلم صاحبها، وظهر يحمل سنواته بصمت، ووجه يحاول أن يخفي إرهاقه بابتسامة. ترى رجلًا يمشي ببطء، فيسأله أحدهم: «تحتاج مساعدة؟» فيهز رأسه، ثم يكمل. وبعد خطوات، يعود الشخص نفسه ويحمل عنه حقيبته من دون نقاش.

عندها تتغير الصورة.

تدرك أن هؤلاء لا يسيرون نحو مكان واحد فحسب. كل واحد يحمل طريقًا آخر داخله: أمًّا غابت، أو دعاءً مؤجلًا، أو خوفًا يريد أن يتركه خلفه، أو وعدًا قطعه لنفسه، أو سؤالًا لم يجد له جوابًا. الملايين يتجهون إلى جهة واحدة، لكن لا أحد يسير بالقصة نفسها.

ثم تأتي لحظة الصمت.

ربما عند اقتراب كربلاء، حين تخف الأحاديث، أو حين يجلس زائر إلى جانب الطريق ويحدق في الأفق. في تلك اللحظة، يبدو أن الضجيج كله كان يقود إلى هذا السكون. لا يعود السؤال: كم مشينا؟ بل: ماذا فعل بنا المشي؟

هنا تنكشف الفكرة التي ظل الطريق يؤجلها.

الأربعين ليس مجرد رحلة يصل فيها الإنسان إلى الحسين؛ إنه تجربة يتعلم فيها كيف يصل إلى الإنسان. يكتشف أن قيمته لا تُقاس بما جمعه، بل بما خففه عن غيره. وأن الغريب قد يصبح قريبًا بفعل بسيط، وأن العطاء لا يحتاج دائمًا إلى وفرة؛ أحيانًا يكفي أن تلاحظ تعب شخص، وأن تتصرف قبل أن يطلب.

وعند الوصول، لا تبدو الراحة مجرد نهاية للتعب. بعض الوجوه تبتسم كأنها وجدت ما كانت تبحث عنه، وبعضها يطيل الوقوف بصمت، كأن بينه وبين الحسين كلامًا لا يحتاج إلى صوت. هناك من جاء يحمل دعاءً، فيشعر أن قلبه عاد أخفّ، ومن جاء مثقلًا بسؤال، فيغادر وقد هدأ فيه شيء، حتى إن بقي السؤال بلا جواب.

وحين يعود الزائر إلى بيته، لا يعود الجميع بالحال نفسها. منهم من يشعر أن دعاءه قد اقترب من الإجابة، ومنهم من يبقى منتظرًا، لكنه يحمل طمأنينة لم تكن معه قبل الطريق. ومنهم من لا تتغير ظروفه، لكنه يكتشف أن قدرته على مواجهتها قد تغيرت. وربما كانت بعض الانتصارات لا تُرى؛ أن يستعيد الإنسان هدوءه، أو يجد قوة لم يكن يعرف أنها فيه، أو يتصالح مع أمر ظل يقاومه طويلًا.

ينتهي الطريق، لكن السؤال لا ينتهي: هل يستطيع أن يحمل شيئًا من ذلك المجتمع معه؟

أن يمد يده في مدينة لا تعرفه؟ أن يخفف عن شخص لا ينتظر منه مقابلًا؟ أن يرى الإنسان قبل أن يرى اسمه أو مكانته؟

ربما كان الطفل الذي يحمل إبريق الماء يعرف الإجابة منذ البداية. لم يكن يقدّم الماء لرجل غريب. كان يتصرّف كما لو أن الغريب لم يعد موجودًا أصلًا.

عاشوراء
الامام الحسين
كربلاء
الانسانية
زيارة الاربعين
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    من اللوم إلى الوعي: كيف يُصلح الأبناء ما أفسدته التربية الخاطئة؟

    من اللوم إلى الوعي: كيف يُصلح الأبناء ما أفسدته التربية الخاطئة؟

    الثلاثاء 25 آب 2026/
    المرآة واللثام: حين نحارب في الآخرين ما نُخفيه في أنفسنا

    المرآة واللثام: حين نحارب في الآخرين ما نُخفيه في أنفسنا

    الأثنين 17 آب 2026/
    السيدة زَينَب.. حِين تُحوِّلُ الهَزِيمَةَ العَسكَرِيَّةَ إلى انْتِصَارٍ خَالِد

    السيدة زَينَب.. حِين تُحوِّلُ الهَزِيمَةَ العَسكَرِيَّةَ إلى انْتِصَارٍ خَالِد

    الثلاثاء 21 تموز 2026/
    الحُرّ.. حينَ يُحطِّمُ الإنسانُ قيدَ الوظيفة لِيَصِلَ إلى الحقيقة

    الحُرّ.. حينَ يُحطِّمُ الإنسانُ قيدَ الوظيفة لِيَصِلَ إلى الحقيقة

    الثلاثاء 14 تموز 2026/
    تَحتَ السِّهام..

    تَحتَ السِّهام..

    الأربعاء 08 تموز 2026/
    العَطَشِ الّذي رَوَى الأجْيَال

    العَطَشِ الّذي رَوَى الأجْيَال

    الخميس 02 تموز 2026/

    آخر الاضافات

    المدونة الجعفرية.. قراءة وتحليل: ندوة أقامتها جمعية المودة والازدهار

    الحجاب قوة انتماء.. لماذا يتحول إلى قضية سياسية؟

    تجريف الذائقة

    أطفال الحروب بين الصدمات النفسية ورحلة التعافي في غياب الأمان

    كاميرات المراقبة... حضور إلكتروني في خدمة المجتمع

    ثقافة الخصومة.. كيف نحفظ أخلاقنا عند الخلاف والخصومة؟

    كيف نتخلّص من أخطائنا ونبني شخصياتنا؟

    الشيخ مرتضى معاش يحذر من تداعيات المقارنة الاجتماعية على الاستقرار النفسي والاقتصادي للأسرة

    آخر القراءات

    مطلقو لقب مذل المؤمنين.. بين قصر النظر وانعدام التسليم

    النشر : الأحد 27 ايلول 2020
    اخر قراءة : منذ 50 دقيقة

    الشهر الوردي مع تقنيات الذكاء الصناعي

    النشر : الأثنين 14 تشرين الاول 2024
    اخر قراءة : منذ 50 دقيقة

    هل للزواج فوائد؟

    النشر : السبت 23 كانون الأول 2023
    اخر قراءة : منذ 50 دقيقة

    بين التناقض والحزم، اي لون تحتاج؟

    النشر : الأربعاء 28 شباط 2024
    اخر قراءة : منذ 50 دقيقة

    وأشرقت الأرض بنور ربها.. لماذا وردت بصيغة الماضي؟!

    النشر : الأربعاء 21 حزيران 2017
    اخر قراءة : منذ 50 دقيقة

    سيكولوجية العطاء: الأربعين أسمى صور التكافل الاجتماعي؟

    النشر : الخميس 30 تموز 2026
    اخر قراءة : منذ 50 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    من سبيستون إلى يوتيوب: كيف تغيّر عالم الطفل؟

    • 345 مشاهدات

    الفرق بين الوالدين والأبوين ومعنى كل منهما

    • 341 مشاهدات

    المكتب الذي دخل البيت ولم يخرج

    • 331 مشاهدات

    المشي على الجهاز أم الجري: أيهما أفضل كتمرين؟

    • 330 مشاهدات

    الصاحب ساحب... حين تصنع الصداقة مصير الإنسان

    • 325 مشاهدات

    الزعفران.. خيوط ذهبية قد تساعد في تخفيف التوتر وتحسين الحالة النفسية

    • 321 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1599 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1197 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 1103 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1047 مشاهدات

    من يملك وقتك؟

    • 912 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 824 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    المدونة الجعفرية.. قراءة وتحليل: ندوة أقامتها جمعية المودة والازدهار
    • منذ 22 ساعة
    الحجاب قوة انتماء.. لماذا يتحول إلى قضية سياسية؟
    • منذ 22 ساعة
    تجريف الذائقة
    • منذ 22 ساعة
    أطفال الحروب بين الصدمات النفسية ورحلة التعافي في غياب الأمان
    • منذ 22 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة