في إطار سعيها لتمكين المرأة وتطوير الوعي التربوي، أقامت جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية بالتعاون مع المنتدى النسوي الذي ترعاه مديرية شباب الوحدة جلسة بعنوان (هندسة الوعي وبناء الحصانة الفكرية -من كربلاء إلى العصر الحديث-) حيث استعرضت الجلسة الجزء الرابع من موسوعة -في ظلال شهداء الطف- للمؤلف الشيخ حيدر الصمدي، كما قدمت الجلسة الأستاذة زينب صاحب حبيب مع المدربة ولاء عطشان وذلك في 19/7/2029م الموافق 4 صفر الخير 1448هـ في مقر المنتدى النسوي.
بدأت الأستاذة زينب صاحب حبيب بقصة صانع الأقفال وعازف الحبر: "كان سليمان صانع الأقفال يعيش حياة جافة، يرى العالم آلة صماء والناس مجرد زبائن، ويواجه المشكلات بالقوة خالياً من التعاطف. تغير مسار حياته عندما ترك لديه زبون صندوقاً خشبياً عتيقاً بداخله كتابا يحكي قصة رجل يتقاسم خبزه مع الغرباء في زمن المجاعة ليس لوفره، بل لشعوره بضعفهم. أثارت القصة فضول سليمان، ومع تعمقه في القراءة بدأت الكلمات تفعل فعلها السحري؛ إذ لم يقرأ حروفاً مجردة بل عاش آلام الآخرين وأفراحهم. تجلت ثمرة هذا التحول حين جاءه زبون فقير لا يملِك سوى نصف ثمن إصلاح القفل، فبدلاً من فضاضته المعتادة، تذكر شخصيات الكتاب وابتسم قائلاً: اجعل النصف الآخر دعوة صالحة لي. علمته القراءة أن خلف كل وجه غاضب قصة حزينة، فتحول من شخص يطلق الأحكام إلى إنسان يسعى للفهم.
ومع السنوات، تحول دكانه إلى دكان الحكيم يبيع النصائح ويُعير الكتب، مخصصاً فلسفته بعبارته: "كنت أظن أنني أعيش حياة واحدة، لكن بالقراءة عشت آلاف الحيوات، فالكتب صهرت قلبي الحديدي وأعادت تشكيله ليتسع للعالم، والعبرة أن القراءة تمنح الإنسان عمقاً نفسياً يجعله أكثر رحمة، وأقل تعصباً، وأقدر على توجيه سلوكه نحو الخير.
وذكرت جزء من واقعة الطف ودروس من سيرة الشهيد زهير بن سليم الأزدي: "إن ملحمة كربلاء الخالدة مدرسة إنسانية متكاملة صاغت بدمائها موازين الوعي والثبات، وإذا كان الإمام الحسين (عليه السلام) قطب هذه النهضة، فإن أصحابه هم الأركان التي جسدت قيمها على أرض الواقع، حيث تتعدى قراءة سيرهم السرد التاريخي إلى استنطاق الدروس المصيرية. وتتجلى هذه المبادئ في سيرة الشهيد زهير بن سليم الأزدي (رضوان الله عليه)، الذي تميز بالنفاذ والوعي المبكر حين سارع للإسلام ضمن الوفادة الأولى مكسراً حواجز التضليل والإشاعات التي بثتها قريش ضد النبي، مما يعلمنا ألا نكون إمعة ونتبع الحق بالدليل والوعي.
كما تمسّك بالإخلاص والتجرد الكامل حين أعلن إسلامه في مكة دون انتظار أية مكاسب أو مناصب مادية، واستمر على هذا التجرد حتى توجه باستشهاده في كربلاء. وتجلت شجاعته الأسطورية ورباطة جأشه في معركة القادسية بقتله للقائد الفارسي الضخم النخارجان في المبارزة، ليكون أول من لبس السوارين كرمز لعزيمة المقاتل الذي لا يهاب القوة المادية.
ورغم انتمائه لقبيلة عريقة وضغوط النفير العام لجيش ابن زياد، آثر الحق واستثمر وجوده الاجتماعي للوصول إلى معسكر الهدى مضحياً بالروابط الاجتماعية لأجل العقيدة. وأخيراً جسد درس اغتنام الفرص حين تخطى جواسيس ابن سعد والتحق بمعسكر الحسين (عليه السلام) في الليلة العاشرة رغم كبر سنه، ليعلمنا أن المؤمن لا يتوانى لحظة عن نصرة الحق إذا انفتحت له أبوابه.
ثم أكدت على القيم الرسالية في سيرة الشهيد شبيب بن جراد الكلابي: "تزخر سيرة الشهيد شبيب بن جراد الكلابي (رضوان الله عليه) بأسمى الدروس الرسالية؛ إذ جمع بين الشجاعة الفائقة والبصيرة العقائدية منذ عهد أمير المؤمنين (عليه السلام). ويتجلى في مساره درس الثبات على خط الولاية، فلم يكن طارئاً على الجهاد بل امتلك رصيداً تاريخياً ممتداً برز في استبساله تحت راية الإمام علي (عليه السلام) في حرب صفين، مؤكداً أن الإيمان مسيرة حياة مستمرة حتى التضحية بين يدي الإمام الحسين (عليه السلام). كما تجسدت فيه روح المبادرة والعمل التنظيمي عندما سارع لمبايعة مسلم بن عقيل في الكوفة، ولم يكتفِ بالبيعة الفردية بل نشط في أخذ بيعة الناس مخبراً بالحركة والمخاطرة ومقدماً المصلحة الرسالية على الأمان الشخصي.
وحين خرج في عسكر ابن سعد تحت الضغط والنفير العام، أظهر شجاعة استثنائية في تحين الفرص والانتقال للحق؛ فبمجرد وصول كتاب ابن زياد الذي يأمر بالحرب الحاسمة وعلمه بأن القوم لن يتركوا الحسين، اتخذ قراره الفوري واغتنم الفرصة ملتحقاً بمعسكر الحق في الليلة العاشرة، مبرهناً على أن باب التوبة والانتقال للعدالة مفتوح دائماً لمن يمتلك الشجاعة لكسر القيود. وختم حياته بأروع صور الفداء والاستبسال يوم عاشوراء حين تقدم بثبات وقاتل ببطولة حتى نال شرف الشهادة في الحملة الأولى، معطياً أمثولة في جمال التضحية المطلقة وحسن الخاتمة.
ووضحت الأستاذة أهمية الوعي المستدام وصناعة الجينات الفكرية: "إن مفهوم الوعي المستدام وصناعة الجينات الفكرية والأخلاقية التي تتوارثها الأجيال ليس وليد المصادفة أو الفراغ، بل هو ثمرة بيئة حاضنة وتربية متأصلة تتضافر فيها العوامل الوراثية والسلوكية.
ويتضح ذلك في النموذج التاريخي للشهيد شبيب بن جراد الكلابي الذي امتد وعيه وشجاعته من والده الصحابي جراد ومن خصائص قبيلته بني كلاب، وهي العشيرة ذاتها التي تنحدر منها السيدة أم البنين (عليها السلام)، مما يفسر التميز العقائدي والتربوي لأبي الفضل العباس وإخوته.
كما يبرز في مقابل ذلك نموذج الوعي التراكمي لدى الشهيد عمار الدالاني الذي صقل بصيرته عبر ملازمة الإمام علي (عليه السلام) وخوض المعارك معه حتى مرحلة الشيخوخة، ونموذج الفلترة المعرفية لدى زهير بن سليم الأزدي الذي اخترق الآلة الإعلامية للتضليل وصولاً لنصرة الحق.
وبناءً على هذه التضحيات التاريخية، تقع على عاتق الأم والمرأة المربية مسئولية معاصرة في هندسة البيئة الأسرية، وتحويل المنازل من مجرد مساحات للاستهلاك المادي إلى حاضنات رسالية تبني لدى الأبناء حصانة فكرية ذاتية، تمكنهم من فرز الغث من السمين ومواجهة الغزو الرقمي والإعلامي المكثف بكل ثبات ودون الحاجة للرقابة الخارجية المستمرة.
ثم أكملت المدربة ولاء عطشان مشيرة إلى أهمية الوعي المستدام و عابر الأجيال صناعة الجينات الفكرية استناداً إلى الجزء الرابع من موسوعة في ظلال شهداء الطف: إن مفهوم الوعي المستدام وكيفية صناعة الجينات الفكرية والأخلاقية التي تنتقل عبر الأجيال لا ينشأ من فراغ، بل هو ثمرة بيئة حاضنة وتربية متأصلة تتضافر فيها العوامل الوراثية والسلوكية، ويتجلى ذلك في نماذج تاريخية ك الشهيد شبيب بن جراد الكلابي، الذي امتد وعيه وشجاعته من والده الصحابي جراد ومن الخصائص المتأصلة في قبيلته بني كلاب وهي العشيرة ذاتها التي تنحدر منها السيدة أم البنين (عليها السلام) مما يفسر التميز العقائدي والتربوي لأبي الفضل العباس وإخوته.
كما يُبرز النص نموذج الشهيد عمار الدالاني الذي صقل وعيه عبر ملازمته للإمام علي (عليه السلام) وخوضه المعارك معه حتى مرحلة الشيخوخة. وفي مقابل نموذج الوعي التراكمي، يطرح الكتاب نموذج زهير بن سليم الأزدي كرمز للفلترة المعرفية والوعي المبكر الذي اخترق الآلة الإعلامية لتضليل قريش وصولاً إلى نصرة الحق في كربلاء. ومن هذه التضحيات تتجلى رؤية معاصرة تضع الأم والمرأة المربية أمام مسؤولية هندسة البيئة الأسرية، وتحويل المنازل من مساحات للاستهلاك المادي إلى حاضنات رسالية تبني لدى الأبناء حصانة فكرية ذاتية تمكنهم من فرز الغث من السمين في مواجهة الغزو الرقمي والإعلامي المكثف، دون الحاجة للرقابة الخارجية المستمرة.
وأكدت المدربة ولاء عطشان أهمية المسؤولية القانونية والشجاعة الأخلاقية في التمكين للحق: شرح الكتاب من خلال مجموعة من النصوص تحليل البعد القانوني والاجتماعي للوعي، موضحاً أن شرعية إمامة أهل البيت (عليهم السلام) إلهية وثابتة بالنص والتكليف، ولا تعتمد على صندوق الاقتراع أو البيعة، إلا أن البيعة كانت التزاماً عملياً وإقراراً ظاهرياً هدف إلى التمكين السياسي والعسكري وإقامة الحجة البالغة على الأمة كي لا يبقى عذر مقصر أمام الله والتاريخ.
وبناءً على ذلك، يتجاوز الوعي مجرد العاطفة ومحبة الخير في القلوب ليصبح مسؤولية قانونية واجتماعية تقتضي العمل الميداني وأداء الواجبات لتمكين الحق ونصرته في مختلف مجالات التأثير، إذ إن السكوت والتقاعس يعدان إخلالاً بالمسؤولية الإنسانية. وتتوج هذه المفاهيم في أسمى صورها عبر تجربة الحر بن يزيد الرياحي، الذي جسد لحظة انبعاث الوعي الصادم والتحول الفكري الشجاع؛ فبالرغم من كونه قائداً عسكرياً يمتلك الجاه والمال والمكانة الاجتماعية في الكوفة، إلا أن الوعي الحقيقي جعله يكسر كبرياء القيادة والأنا، وينتقل إلى معسكر الحسين (عليه السلام) خياراً للجنة على النار. يقدم الحر للمرأة والمجتمع المعاصر درساً بليغاً مفاده أن الوعي ليس مجرد معرفة نظرية بالحق، بل هو الشجاعة الأخلاقية التي تمكن الفرد من التراجع عن المسار الخاطئ وتجاوز الخوف من كلام الناس أو خسارة الموقع الاجتماعي والاعتباري، من أجل الثبات على المبادئ والقيم ونصرة الحق مهما بلغت التضحيات.
والجدير بالذكر أن جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تهدف إلى تحصين المرأة ثقافياً عبر قراءة الكتب بشكل واعي ودقيق لمواجهة تحديات العصر والعمل على مواجهة المشاكل التي تواجهها الأم والمربي والاقتداء بالنماذج المذكورة في الكتاب وإعداد العلاقات التربوية الواعية بما يضمن صناعة جيل واعٍ ومتين عقادياً في ظل الشبهات المعاصر التي تمس الدين الإسلامي.









اضافةتعليق
التعليقات