في عالمنا اليومي، نمرّ بعشرات الموقف التي قد تبدو لنا عادية وبسيطة، مثل دخول محل بقالة لشراء غرض ما أو التجول في مركز تسوق كبير أو حتى التوقف عند إشارات المرور، بيد أن هذه التصرفات البسيطة تخفي خلفها تعقيدات سلوكية ونفسية جرى تصميمها بعناية لتوجيه خياراتنا ودفعنا لاتخاذ قرارات محددة، طوعاً أو عن غير قصد.
العقلانية الموهومة في علم الاقتصاد حيث أن العقود الطويلة يستند فيها علم الاقتصاد التقليدي إلى فرضية أساسية مفادها أن الإنسان كائن عقلاني بالكامل، يزن الخسائر والمكاسب بدقة قبل اتخاذ أي قرار إلا أن الواقع يثبت عكس ذلك تماماً، وهو ما يركز عليه علم الاقتصاد السلوكي.
تُبرز تجربة لعبه الإنذار (Ultimatum Game) هذه الفكرة بوضوح؛ حيث يُعرض مبلغ مالي على شخصين، ويقوم أحدهما بتقسيم المبلغ، بينما يحق للآخر القبول أو الرفض، علمياً واقتصادياً، يفترض بالطرف الثاني القبول بأي جزء من المال لأنه أفضل من لا شيء. ولكن واقعياً، يرفض المشاركون أغلب التقسيمات غير العادلة بدافع الانتقام أو رفض الظلم، مضحين بالمكسب المادي، وهذه السلوكيات تؤكد أن المشاعر الإنسانية، مثل العدالة والرفض والانتقام، تتفوق في كثير من الأحيان على الحسابات العقلانية، إضافةً إلى الوهم والتسعير أي القيمة المرتبطة بالسعر إذ تعتمد سلوكياتنا الاستهلاكية على ربط ذهني مباشر بين السعر العالي والجودة عالية القيمة.
فالشيء نفسه قد يُقيَّم بشكل مختلف تماماً استناداً إلى سعره أو كيفية تقديمه؛ حيث يستمتع المستهلكون بالمنتج بدرجة أكبر عندما يُقنعون بأن قيمته مرتفعة أو أنه نادراً ما يُتاح بهذا السعر.
متاهات التسوق ومصيدة المتاجر الكبرى حيث لم تكن المتاجر الكبرى ومحلات الأثاث العالمية مجرد مساحات لعرض البضائع، بل هي بيئات مصممة خصيصاً للتأثير على سلوك الشراء عبر عدّة مسارات، منها المسار الإجباري لتصميم المتاجر على شكل مسارات محددة يجبر الزبون على المرور بجميع الأقسام، مما يزيد من احتمالية الشراء العفوي لمواد لم تكن في حسبانه أصلاً، والخدمات الملحقة من خلال توفير المطاعم والمقاهي داخل أماكن التسوق يحوّل عملية الشراء من مهمة سريعة إلى رحلة استكشافية متكاملة تزيد من فترة بقاء الزبون داخل المتجر، إضافةً لرفوف اللحظات الأخيرةو توزيع المنتجات الصغيرة والمغرية بالقرب من منافذ الدفع (الكاشير) يُنعش رغبة الشراء لدى المستهلك في اللحظات الأخيرة قبل مغادرته، إن هذه التكتيكات تعتمد على مفهوم العمائر السلوكية، حيث يُصمم المكان لإرباك التفكير المنطقي وزيادة المبيعات المباشرة.
نظرية النكز (Nudge Theory) التوجيه بدون إجبار الذي عمل على تطوّيرها عالم الاقتصاد السلوكي ريتشارد ثالر وكاس سنشتاين نظرية تُعرف بـ نظرية النكز. وهي آلية تقوم على إدخال تعديلات بسيطة وغير مكلفة في البيئة المحيطة لتوجيه سلوك الأفراد نحو قرارات معينة، دون مصادرة حريتهم في الاختيار أو فرض عقوبات، والتي تتجلى في تطبيقات واقعية متعددة:
توجيه السلوك بالهدف البصري استخدام رموز بسيطة في الأماكن العامة، كإضافة رسمة صغيرة داخل المباول في مطار أمستردام لمنح هدف بصري، مما خفّض حوادث التسرب والتلوث بنسبة كبيرة وبأقل التكاليف.
الحد من حوادث الطرق رسم خطوط أفقية متقاربة على الأسفلت في منحنيات الطرق الخطرة يمنح السائق إحساساً بصرياً بالسرعة الزائدة، مما يدفعه لتخفيف السرعة تلقائياً دون الحاجة للافتات تحذيرية.
التبرع بالأعضاء والأكل الصحي تغيير الخيار الافتراضي في الاستمارات الرسمية أو طريقة إعادة ترتيب الطعام الصحي في المدارس يرفع نسبة الإقبال بشكل ملحوظ دون إجبار.
إن العالم والعمران والأدوات من حولنا ليست حيادية؛ بل هي بيئات مصممة بواسطة الإنسان لتحقيق أهداف محددة، ووعينا بهذه الحيل وتفهمنا لنظرية النكز والدوافع النفسية خلف سلوكياتنا يتيح لنا اتخاذ قرارات شجاعة وأكثر عقلانية في حياتنا اليومية، بدلاً من الانقياد المباشر للتصاميم المعمارية والتسويقية المحيطة بنا.








اضافةتعليق
التعليقات