صدمة الخوارزمية عندما تصنع العفوية معجزة أدبية، ورأينا ذلك في مشهدٍ يختصر غربة الكاتب في زمن التشتت الرقمي، كان الروائي الأمريكي جوناثن ستانلي يطالع بأسى كومة النسخ المكدسة أمامه في حفل توقيع كتابه؛ حيث خلت القاعة تماماً من الزوار ولم يحضر سوى الصمت، غير أن لحظة واحدة عابرة كانت كفيلة بقلب هذه المعادلة القاسية رأساً على عقب؛ إذ تقدمت نحو طاولته طفلة صغيرة برفقة والدتها، واشترتا نسخة بعدما عبرت الطفلة بعفوية عن حلمها بأن تغدو مؤلفة في المستقبل، لم تكن القصة لتتعدى كونها لفتة إنسانية دافئة، لولا أن الأم سجلت المشهد ونشرته عبر تطبيق تيك توك.
وفي غضون ساعات معدودة، فجر الفيديو مفاجأة مدوية بتحقيقه أكثر من 77 مليون مشاهدة؛ ليتحول الكاتب الذي لم يكن يتابعه سوى زوجته إلى حديث وسائل الإعلام، وتتحول روايته من طي النسيان إلى صدارة قائمة الأكثر مبيعاً على موقع أمازون العالمية وسط تهافت دور النشر الدولية على التعاقد معه. إن هذه الواقعة ليست مجرد حادثة فردية نادرة، بل هي تجسيد صارخ لنقطة التحول الهيكلية التي أحدثها مجتمع بوك توك (BookTok) في سوق النشر الحديث.
ولتقصي جذور هذه الظاهرة، يتوجب العودة إلى منصات الإعلام الجديد؛ فقد شهدت القراءة تحولاً تدريجياً بدأ مع مجتمع بوك تيوب (BookTube) على يوتيوب، والذي اعتمد لسنوات على المراجعات التفصيلية الطويلة، غير أن ذلك المجتمع سرعان ما وقع تحت طائلة السلعنة والتحالفات التجارية المسبقة بين دور النشر وصناع المحتوى، مما أفقده العفوية والحياد وهنا جاء مجتمع بوك توك كبديل ديناميكي يعتمد على المقاطع القصيرة والخوارزميات الفائقة الذكاء التي لا ترتبط بعدد المتابعين، بل بمدى كثافة التفاعل والعاطفة.
لقد أحدث هذا المجتمع اختراقاً جذرياً في بيئة النشر التقليدية؛ إذ لم يعد النجاح الأدبي مرهوناً بذائقة النقاد الأكاديميين أو الميزانيات الضخمة لدور النشر، بل بات ملكاً للجمهور الذي يشارك ردود أفعاله العاطفية الحية أثناء القراءة، هذا التحول لم يخدم الكتّاب المستقلين فحسب، بل أعاد بعث الحياة في كتب قديمة وصدرت منذ سنوات لتتصدر المبيعات من جديد، ما أرغم المكتبات العالمية الكبرى على تخصيص أقسام بارزة ترفع شعار كما شوهد على بوك توك.
وهنا يأتي السائل هل نحن في زمن سلعنة الثقافة أم أنسنتها؟
أثار الصعود الصاروخي لـ بوك توك سجالاً فكرياً ونقدياً حاداً حول مستقبل الثقافة والفعل القرائي. فمن جهة، يرى النقاد أن المنصة تتسبب في سلعنة القراءة واختزالها في استعراض شكلي يهدف لحصد المشاهدات (Views)، مما يبخس القراءة عمقها وقدسيتها الفكرية، فضلاً عن تحيز الخوارزميات لنوعيات محددة من الأدب التجاري الخفيف كالروايات الرومانسية وأدب الشباب على حساب الفلسفة والفكر الرصين.
ولكن في المقابل، يطرح المدافعون عن الظاهرة رؤية مناقضة تؤكد أن بوك توك نجح فيما فشلت فيه المؤسسات التعليمية والثقافية، عبر انتشال أجيال جديدة من التشتت الرقمي وإعادتهم إلى الكتاب الورقي، والأهم من ذلك أنه نقل القراءة من عزلتها التقليدية كنشاط فردي صارم إلى تجربة اجتماعية تفاعلية مفعمة بالحياة والشغف، في النهاية، يبقى بوك توك ظاهرة مزدوجة الحدين؛ تعكس تحولات عصر الشاشة وتمنح كل قارئ المساحة ليصنع تجربته الثقافية الخاصة.








اضافةتعليق
التعليقات